الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٧١ - فصل
المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء، و ينزل بسرعة و حدّة إلى المعدة، فيخشى منه أن يبرد حرارتها، و يشوشها، و يسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج، و كل هذا يضرّ بالشارب، و أما إذا فعله نادرا أو لحاجة، لم يضره، و لا يعترض بالعوائد على هذا، فإن العوائد طبائع ثوان، و لها أحكام أخرى، و هي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء.
فصل
و في «صحيح مسلم» من حديث أنس بن مالك، قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يتنفس في الشراب ثلاثا، و يقول: «إنّه أروى و امرأ و أبرأ» [١].
الشراب في لسان الشارع و حملة الشرع: هو الماء، و معنى تنفسه في الشراب: إبانته القدح عن فيه، و تنفّسه خارجه، ثم يعود إلى الشراب، كما جاء مصرحا به في الحديث الآخر: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفّس في القدح، و لكن ليبن الإناء عن فيه» [٢].
و في هذا الشرب حكم جمة، و فوائد مهمة، و قد نبه (صلى اللّه عليه و سلم) على مجامعها بقوله.
«إنه أروى و امرأ و أبرأ» فأروى: أشدّ ريّا، و أبلغه و أنفعه، و أبرأ: أفعل من البرء، و هو الشفاء، أي يبرئ من شدة العطش و دائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، و الثالثة ما عجزت الثانية عنه، و أيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة، و أبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة، و نهلة واحدة.
و أيضا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يقلع عنها، و لما تكسر سورتها و حدّتها، و إن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل و التدريج.
[١] أخرجه مسلم في الأشربة.
[٢] أخرجه ابن ماجه من حديث رواه الحارث بن أبي ذئاب عن عمه عن أبي هريرة.