الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٦٩ - فصل
الشراب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) البارد الحلو. و الماء الفاتر ينفخ، و يفعل ضد هذه الأشياء.
و لما كان الماء البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه، قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان: «هل من ماء بات في شنّة؟» فاتاه به، فشرب منه، رواه البخاري و لفظه: «إن كان عندك ماء بات في شنة و إلّا كرعنا» [١].
و الماء البائت بمنزلة العجين الخمير، و الذي شرب لوقته بمنزلة الفطير، و أيضا فإن الأجزاء الترابية و الأرضية تفارقه إذا بات، و قد ذكر أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان يستعذب له الماء، و يختار البائت منه. و قالت عائشة: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يستقى له الماء العذب من بئر السقيا [٢].
و الماء الذي في القرب و الشنان، ألذّ من الذي يكون في آنية الفخار و الأحجار و غيرهما، و لا سيما أسقية الأدم، و لهذا التمس النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ماء بات في شتة دون غيرها من الأواني، و في الماء إذا وضع في الشّنان، و قرب الأدم خاصة لطيفة لما فيها من المسام المنتفخة التي يرشح منها الماء، و لهذا كان الماء في الفخار الذي يرشح ألذ منه، و أبرد في الذي لا يرشح، فصلاة اللّه و سلامه على أكمل الخلق، و أشرفهم نفسا، و أفضلهم هديا في كل شيء، لقد دل أمته على أفضل الأمور و أنفعها لهم في القلوب و الأبدان، و الدنيا و الآخرة.
قالت عائشة: كان أحبّ الشراب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الحلو البارد [٣]. و هذا يحتمل أن يريد به الماء العذب، كمياه العيون و الآبار الحلوة، فإنه كان يستعذب له الماء. و يحتمل أن يريد به الماء الممزوج بالعسل، أو الذي نقع فيه التمر أو الزبيب.
و قد يقال- و هو الأظهر-: يعمهما جميعا.
[١] أخرجه البخاري في الأشربة.
[٢] أخرجه أبو داود في الأشربة.
[٣] أخرجه أحمد و الترمذي في الجامع.