الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٦٨ - فصل
بالماء، فما ينكر أن يكون للحيوان به نوع غذاء، و أن يكون جزءا من غذائه التام.
قالوا: و نحن لا تنكر أن قوة الغذاء و معظمه في الطعام، و إنما أنكرنا أن لا يكون للماء تغذية البتة. قالوا: و أيضا الطعام إنما يغذي بما فيه من المائية. و لولاها لما حصلت به التغذية.
قالوا: و لأن الماء مادة حياة الحيوان و النبات، و لا ريب أن ما كان أقرب إلى مادة الشيء، حصلت به التغذية، فكيف إذا كانت مادته الأصلية، قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [١] فكيف تنكر حصول التغذية بما هو مادة الحياة على الإطلاق؟.
قالوا: و قد رأينا إذا حصل له الرّيّ بالماء البارد، تراجعت إليه قواه و نشاطه و حركته، و صبر عن الطعام، و انتفع بالقدر اليسير منه، و رأينا العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير من الطعام، و لا يجد به القوة و الاغتذاء، و نحن لا ننكر أن الماء ينفذ الغذاء إلى أجزاء البدن، و إلى جميع الأعضاء، و أنه لا يتم امر الغذاء إلا به، و إنما ننكر على من سلب قوة التغذية عنه البتة، و يكاد قوله عندنا يدخل في إنكار الأمور الوجدانية.
و انكرت طائفة أخرى حصول التغذية به، و احتجت بأمور يرجع حاصلها إلى عدم الاكتفاء به، و أنه لا يقوم مقام الطعام، و أنه لا يزيد في نمو الأعضاء، و لا يخلف عليها بدل ما حللته الحرارة، و نحو ذلك مما لا ينكره أصحاب التغذية، فإنهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره، و لطافته و رقته، و تغذية كل شيء بحسبه، و قد شوهد الهواء الرطب البارد اللين اللذيذ يغذي بحسبه، و الرائحة الطيبة تغذي نوعا من الغذاء، فتغذية الماء أظهر و أظهر.
و المقصود: أنه إذا كان باردا، و خالطه ما يحليه كالعسل أو الزبيب، أو التمر أو السكر، كان من أنفع ما يدخل البدن، و حفظ عليه صحته، فلهذا كان أحبّ
[١] الأنبياء- ٣٠.