الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٥٢ - فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض
و في تأثير قوله: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» في دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمّنة لجميع صفات الأفعال، و لهذا كان اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، و إذا سئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم، و الحياة التامة تضاد جميع الأسقام و الآلام، و لهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم همّ و لا غمّ و لا حزن و لا شيء من الآفات. و نقصان الحياة تضر بالأفعال، و تنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، و القيوم لا يتعذّر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة و القيومية له تأثير في إزالة ما يضادّ الحياة، و يضرّ بالأفعال.
و نظير هذا توسل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى ربه بربوبيته لجبريل و ميكائيل و إسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية، و قد وكل اللّه سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة، فجبريل موكّل بالوحي الذي هو حياة القلوب، و ميكائيل بالقطر الذي هو حياة الأبدان و الحيوان، و إسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم و عود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير في حصول المطلوب.
و المقصود: أن لاسم الحي القيوم تأثيرا خاصا في إجابة الدعوات، و كشف الكربات، و في «السنن» و «صحيح أبي حاتم» مرفوعا: «اسم اللّه الأعظم في هاتين الآيتين وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [١] و فاتحة آل عمران الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، قال الترمذي. حديث صحيح [٢].
و في «السنن» و «صحيح ابن حبان» أيضا: من حديث أنس أن رجلا دعا، فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنّان، بديع السماوات و الأرض، يا ذا الجلال و الإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «لقد دعا اللّه باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، و إذا سئل به أعطى» [٣].
[١] البقرة- ١٦٣.
[٢] أخرجه الترمذي في الدعوات، و ابن ماجة في الدعاء، و أبو داود في الصلاة، و الدارمي.
[٣] أخرجه النسائي في السهو، و أبو داود في الصلاة.