الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٤٤ - فصل في هديه
يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، و من لم يصبر صبر الكرام، سلا سلوّ البهائم. و في «الصحيح» مرفوعا: «الصبر عند الصّدمة الأولى» [١]. و قال الأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيمانا و احتسابا، و إلا سلوت سلوّ البهائم.
و من علاجها: أن يعلم أن أنفع الأدوية له موافقة ربه و إلهه فيما أحبه و رضيه له، و أن خاصية المحبة و سرّها موافقة المحبوب، فمن ادعى محبة محبوب، ثم سخط ما يحبه، و أحبّ ما يسخطه، فقد شهد على نفسه بكذبه، و تمقّت إلى محبوبه.
و قال أبو الدرداء: إن اللّه إذا قضى قضاء، أحب أن يرضى به، و كان عمران ابن حصين يقول في علته: أحبّه إليّ أحبّه إليه، و كذلك قال أبو العالية.
و هذا دواء و علاج لا يعمل إلا مع المحبّين، و لا يمكن كلّ أحد أن يتعالج به.
و من علاجها: أن يوازن بين أعظم اللذتين و التمتعين، و أدومهما: لذّة تمتعه بما أصيب به، و لذة تمتعه بثواب اللّه له، فإن ظهر له الرجحان، فاثر الراجح، فليحمد اللّه على توفيقه، و إن آثر المرجوح من كل وجه، فليعلم أن مصيبته في عقله و قلبه و دينه أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه.
و من علاجها أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين، و أرحم الراحمين، و أنه سبحانه لم يرسل إليه البلاء ليهلكه به، و لا ليعذبه به، و لا ليجتاحه، و إنما افتقده به ليمتحن صبره و رضاه عنه و إيمانه، و ليسمع تضرعه و ابتهاله، و ليراه طريحا ببابه، لائذا بجنابه، مكسور القلب بين يديه، رافعا قصص الشكوى إليه.
قال الشيخ عبد القادر: يا بني! إن المصيبة ما جاءت لتهلك، و إنما جاءت لتمتحن صبرك و إيمانك، يا بني! القدر سبع، و السّبع لا يأكل الميتة.
و المقصود: أن المصيبة كير العبد الذي يسبك به حاصله، فإما أن يخرج ذهبا أحمر، و إما أن يخرج خبثا كله، كما قيل:
سبكناه و نحسبه لجينا* * * فأبدى الكير عن خبث الحديد
[١] أخرجه البخاري في الجنائز، و مسلم في الجنائز.