الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٤٣ - فصل في هديه
الترمذي مرفوعا: «يودّ ناس يوم القيامة أنّ جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في التدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء» [١].
و قال بعض السلف: لو لا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس.
و من علاجها: أن يروّح قلبه بروح رجاء الخلف من اللّه، فإنه من كل شيء عوض إلا اللّه، فما منه عوض كما قيل:
من كلّ شيء إذا ضيّعته عوض* * * و ما من اللّه إن ضيّعته عوض
و من علاجها: أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تحدثه له، فمن رضي، فله الرّضى، و من سخط، فله السخط، فحظّك منها ما أحدثته لك، فاختر خير الحظوظ أو شرها، فإن أحدثت له سخطا و كفرا، كتب في ديوان الهالكين، و إن أحدثت له جزعا و تفريطا في ترك واجب، أو فعل محرم، كتب في ديوان المفرطين، و إن أحدثت له شكاية، و عدم صبر، كتب في ديوان المغبونين، و إن أحدثت له اعتراضا على اللّه، و قدحا في حكمته، فقد قرع باب الزندقة أو ولجه، و إن أحدثت له صبرا و ثباتا للّه، كتب في ديوان الصابرين، و إن أحدثت له الرضى عن اللّه، كتب في ديوان الراضين، و إن أحدثت له الحمد و الشكر، كتب في ديوان الشاكرين، و كان تحت لواء الحمد مع الحمّادين، و إن أحدثت له محبة و اشتياقا إلى لقاء ربه، كتب في ديوان المحبّين المخلصين.
و في «مسند الإمام أحمد» و الترمذي، من حديث محمود بن لبيد يرفعه: «إنّ اللّه إذا أحبّ قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرّضى، و من سخط فله السّخط». زاد «و من جزع فله الجزع» [٢].
و من علاجها: أن يعلم أنه و إن بلغ في الجزع غايته، فاخر أمره إلى صبر الاضطرار، و هو غير محمود و لا مثاب، قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أوّل
[١] أخرجه الترمذي في باب الزهد.
[٢] أخرجه أحمد في المسند، و هو حديث صحيح.