الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٢ - فصل
و في «مسند الإمام أحمد»: من حديث زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: كنت عند النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و جاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول اللّه! أ نتداوى؟
فقال: «نعم يا عباد اللّه تداووا، فإن اللّه عزّ و جلّ لم يضع داء إلّا وضع له شفاء غير داء واحد»، قالوا ما هو؟ قال: «الهرم» [١]
و في لفظ: «إنّ اللّه لم ينزل داء إلّا أنزل شفاء، علمه من علمه و جهله من جهله» [٢]
و في «المسند»: من حديث ابن مسعود يرفعه: «إنّ اللّه عزّ و جلّ لم ينزل داء إلّا أنزل له شفاء، علمه من علمه، و جهله من جهله».
و في «المسند» و «السنن» [٣] عن أبي خزامة، قال: قلت: يا رسول اللّه! أ رأيت رقى نسترقيها، و دواء نتداوى به، و تقاة نتقيها، هل تردّ من قدر اللّه شيئا؟ فقال «هي من قدر اللّه» [٤].
فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب و المسببات. و إبطال قول من أنكرها، و يجوز أن يكون قوله: «لكل داء دواء»، على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، و الأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، و يكون اللّه عز و جل قد جعل لها أدوية تبرئها، و لكن طوى علمها عن البشر، و لم يجعل لهم إليه سبيلا، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللّه، و لهذا علق النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الشّفاء على مصادفة الدواء للداء،
[١] أخرجه أبو داود و الترمذي و الإمام أحمد و ابن ماجه كلهم في كتاب الطب و أخرجه ابن حبان في صحيحه و الحاكم من حديث زياد بن علاقة، و قال الترمذي حس صحيح و الحاكم صحيح. و معنى الحديث: أي تداووا و لا تعتمدوا في الشفاء على التداوي بل كونوا عباد اللّه متوكلين عليه. و من تداوى عليه أن يعتقد حقا و يؤمن يقينا بأن الدواء لا يحدث شفاء و لا يولده، كما أن الداء لا يحدث سقما و لا يولده، و لكن المولى جلت قدرته يخلق الموجودات واحدا عقب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته و «داء الهرم» أي الكبر جعل داء تشبيها به لأن الموت يعقبه كالداء
[٢] رواه الحاكم. و نحوه للنسائي و ابن ماجه، و صحيحه ابن حبان
[٣] هي سنن الترمذي
[٤] أخرجه ابن ماجه و الحاكم في صحيحه، و الترمذي و قال: حسن صحيح