الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٠٤ - ٤٦٧- قول صاحب الديك في الكلاب
منتفخ، فصددت عنه، فلم ألبث أن لحقتني الكلاب. فلمّا أحسّ بها وثب كالبرق، بعد أن تحايد عن السّنن، فسألت عن ذلك فإذا ذلك من فعله معروف، و هو أن يستلقي و ينفخ خواصره و يرفع قوائمه، فلا يشكّ من رآه من الناس أنّه ميّت منذ دهر، و قد تزكّر [١] بالانتفاخ بدنه، فكنت أتعجّب من ذلك، إذ مررت في الزّقاق الذي في أصل دار العبّاسيّة و منفذه إلى مازن، فإذا جرو كلب مهزول سيّئ الغذاء، قد ضربه الصّبيان و عقروه ففرّ منهم و دخل الزّقاق، فرمى بنفسه في أصل أسطوانة و تبعوه حتّى هجموا عليه، فإذا هو قد تماوت فضربوه بأرجلهم فلم يتحرّك فانصرفوا عنه. فلمّا جاوزوا تأمّلت عينه فإذا هو يفتحها و يغمضها، فلمّا بعدوا عنه و أمنهم عدا، و أخذ في غير طريقهم فأذهب الذي كان في نفسي للثّعلب، إذا كان الثّعلب ليس فيه إلاّ الرّوغان و المكر، و قد ساواه الكلب في أجود حيله.
٤٦٦-[مفاضلة بين الثعلب و الكلب]
و مع الكلب بعد ما ليس معه، إلاّ أن يفخر بفروته [٢] في موضع انتفاع النّاس به، فجعر الكلب للذّبحة أنفع منه، إذ كان في الذّبحة الموت و ليس يقوم مقامه شيء.
و جلد الثّعلب منه عوض [٣] .
٤٦٧-[قول صاحب الديك في الكلاب]
قال صاحب الديك: شرار عباد اللّه من قتل أولاد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و لم نجد شعراء النّاس شبّهوا أولئك القاتلين بشيء سوى الكلاب. قال أبو نضلة الأبّار، في قتل سلم بن أحوز المازنيّ، صاحب شرطة نصر بن سيّار اللّيثي، يحيى بن زيد و أصحابه، فقال: [من الطويل]
أ لم تر ليثا ما الذي ختمت به # لها الويل في سلطانها المتخاذل
كلاب تعاوت لا هدى اللّه سبلها # فجاءت بصيد لا يحلّ لآكل
بنفسي و أهلي فاطميّ تقنّصوا # زمان عمى من أمّة و تخاذل
لقد كشفت للنّاس ليث عن استها # و غاب قبيل الحقّ دون القبائل
قال صاحب الديك: و روى هشيم عن المغيرة عن إبراهيم قال: لم يكونوا ينهوننا عن شيء من اللعب و نحن غلمان إلاّ الكلاب.
[١] تزكر بطن الصبي: عظم و حسنت حاله. «القاموس: زكر» .
[٢] الضمير هنا يعود إلى الثعلب.
[٣] أي يمكن الاستعاضة بجلد غيره.