الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٨٠ - ٤٤٣- تفضيل الديك على الطاوس
و لو أنّ الأحنف بن قيس رأى حاجب بن زرارة، أو زرارة بن عدس، أو حصن بن حذيفة، لقدّمهم على نفسه. و هؤلاء عيون أهل الوبر لا يذكرون بشيء دون شيء لاستواء خصال الخير فيهم.
و في منحول شعر النابغة: [من الوافر]
فألفيت الأمانة لم تخنها # كذلك كان نوح لا يخون [١]
و ليس لهذا الكلام وجه، و إنّما ذلك كقولهم كان داود لا يخون، و كذلك كان موسى لا يخون عليهما السلام. و هم و إن لم يكونوا في حال من الحالات أصحاب خيانة و لا تجوز عليهم، فإنّ النّاس إنّما يضربون المثل بالشيء النادر من فعل الرجال و من سائر أمورهم، كما قالوا: عيسى ابن مريم روح الله، و موسى كليم الله، و إبراهيم خليل الرحمن، صلى الله عليهم و سلم.
و لو ذكر ذاكر الصبر على البلاء فقال: كذلك كان أيّوب لا يجزع كان قولا صحيحا. و لو قال: كان كذلك نوح عليه السلام لا يجزع لم تكن الكلمة أعطيت حقّها.
و لو ذكر الاحتمال و تجرّع الغيظ فقال: و كذلك كان معاوية لا يسفه، و كان حاتم لا يفحش، لكان كلاما مصروفا عن جهته و لو قال: كذلك كان حاتم لا يبخل لكان ذلك كلاما معروفا و لكان القول قد وقع موقعه، و إن كان حاتم لا يعرف بقلّة الاحتمال و بالتّسرّع إلى المكافأة.
و لو قال: سألتك فمنعتني و قد كان الشّعبيّ لا يمنع، و كان النّخعيّ لا يقول «لا» ، لكان غير محمود في جهة البيان، و إن كان ممّن يعطي و يختار «نعم» على «لا» . و لكن لمّا لم يكن ذلك هو المشهور من أمرهما لم تصرف الأمثال إليهما، و لم تضرب بهما.
قال جعفر: و كذلك القول في الديك و جماله؛ لكثرة خصاله، و توازن خلاله، و لأنّ جمال الديك لا يلهج بذكره إلاّ البصراء بمقادير الجمال و التوسّط في ذلك، و الاختلاط و القصد، و ما يكون ممزوجا و ما يكون خالصا. و حسن الطاوس حسن لا تعرف العوامّ غيره، فلذلك لهجت بذكره.
[١] ديوان النابغة الذبياني ٢٢٢.