الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣٤ - ٣٥٨- إلهام الحمام
و يقال: ليس في البهائم أطيب أفواها من الظباء.
٣٥٧-[رضيع ملهم]
و زعم علماء البصريّين، و ذكر أبو عبيدة النحويّ، و أبو اليقظان سحيم بن حفص، و أبو الحسن المدائني، و ذكر ذلك عن محمّد بن حفص عن مسلمة بن محارب، و هو حديث مشهور في مشيخة أصحابنا من البصريّين، أنّ طاعونا جارفا جاء على أهل دار، فلم يشكّ أهل تلك المحلّة أنّه لم يبق فيها صغير و لا كبير، و قد كان فيها صبيّ يرتضع، و يحبو و لا يقوم على رجليه، فعمد من بقي من المطعونين من أهل تلك المحلّة إلى باب تلك الدار فسدّه، فلمّا كان بعد ذلك بأشهر تحوّل فيها بعض ورثة القوم، ففتح الباب، فلمّا أفضى إلى عرصة الدّار إذا هو بصبيّ يلعب مع أجراء كلبة، و قد كانت لأهل الدار، فراعه ذلك، فلم يلبث أن أقبلت كلبة كانت لأهل الدار، فلمّا رآها الصبيّ حبا إليها، فأمكنته من أطبائها فمصّها، فظنّوا أنّ الصّبيّ لما بقي في الدار و صار منسيّا و اشتدّ جوعه، و رأى أجراءها تستقي من أطبائها، حبا إليها فعطفت عليه، فلمّا سقته مرّة أدامت ذلك له، و أدام هو الطلب.
و الذي ألهم هذا المولود مصّ إبهامه ساعة يولد من بطن أمّه، و لم يعرف كيفيّة الارتضاع، هو الذي هداه إلى الارتضاع من أطباء الكلبة. و لو لم تكن الهداية شيئا مجعولا في طبيعته، لما مصّ الإبهام و حلمة الثّدي، فلمّا أفرط عليه الجوع و اشتدّت حاله، و طلبت نفسه و تلك الطبيعة فيه، دعته تلك الطبيعة و تلك المعرفة إلى الطلب و الدنوّ، فسبحان من دبّر هذا و ألهمه و سوّاه و دلّ عليه!!
٣٥٨-[إلهام الحمام]
و مثل هذا الحديث ما خبّر به عن بابويه صاحب الحمام. و لو سمعت قصصه في كتاب اللّصوص، علمت أنّه بعيد من الكذب و التزيد. و قد رأيته و جالسته و لم أسمع هذا الحديث منه، و لكن حدّثني به شيخ من مشايخ البصرة، و من النّزول بحضرة مسجد محمد بن رغبان. و قال بابويه: كان عندي زوج حمام مقصوص، و زوج حمام طيّار، و فرخان من فراخ الزّوج الطيار. قال: و كان في الغرفة ثقب في أعلاها و قد كنت جعلت قدّام الكوّة [١] رفّا ليكون مسقطا لما يدخل و يخرج من الحمام، فتقدّمت في ذلك مخافة أن يعرض لي عارض فلا يكون للطّيار منفذ للتكسّب و لورود الماء. فبينا أنا كذلك إذ جاءني رسول السلطان، فوضعني في
[١] الكوة: الخرق في الحائط، و الثقب في البيت و نحوه.