الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣٢ - ٣٥٥- دفاع عن الكلب
كلامهم، على أيّ مقادير كانوا يضعونها، و من أيّ شيء اشتقّوها، و كيف كان السبب. و ربّ شيء أنكرناه فإذا عرفنا سببه أقررنا به.
و قال أبو الحسن: مر إياس بن معاوية بديك ينقر حبّا و لا يفرقه، فقال: ينبغي أن يكون هذا هرما، فإنّ الهرم إذا ألقي له الحبّ لم يفرقه ليجتمع الدجاج حوله.
و الهرم قد فنيت رغبته فيهنّ، فليس همّه إلاّ نفسه.
و رووا عنه أنّه قال: اللافظة الديك الشابّ، و إنّه يأخذ الحبّة يؤثر بها الدّجاج، و الهرم لا يفعل ذلك، و إنّما هو لافظة ما دام شابّا.
و قال صاحب الكلب: و ذكر ابن سيرين عن أبي هريرة: «أن كلبا مرّ بامرأة و هو يلهث عند بئر، فنزعت خفّها فسقته، فغفر اللّه تعالى لها» [١] .
و عنه قال: «غفر اللّه لبغيّ أو لمؤمنة مرّ بها كلب فنزعت خفّها فسقته» [٢] .
و قال صاحب الكلب: و قال ابن داحة: ضرب ناس من السّلطاء جارا لهم، و لبّبوه و سحبوه و جرّوه، و له كلب قد ربّاه، فلم يزل ينبح عليهم و يشقّق ثيابهم، و لو لا أنّ المضروب المسحوب كان يكفّه و يزجره، لقد كان عقر بعضهم أو منعه منهم.
قال إبراهيم النّظّام: قدّمتم السّنّور على الكلب، و رويتم أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم أمر بقتل الكلاب و استحياء السنانير و تقريبها و تربيتها، كقوله عند مسألته عنها: «إنّهنّ من الطّوّافات عليكم» [٣] . و كلّ منفعة عند السّنّور إنّما هي أكل الفأر فقط، و على أنّكم قلّما تجدون سنّورا يطلب الفأر، فإن كان مما يطلب و يأكل الفأر، لم يعدمكم أن يأكل حمامكم و فراخكم و العصافير التي يتلهّى بها أولادكم، و الطائر يتّخذ لحسنه و حسن صوته. و الذي لا بدّ منه الوثوب على صغار الفراريج. فإن هو عفّ عن أموالكم
[١] أخرج البخاري في المساقاة برقم ٢٢٣٤ (عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال:
«بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر اللّه له فغفر له) ، و أعاده البخاري في المظالم برقم ٢٣٣٤، و في الأدب برقم ٥٦٣، و أخرجه مسلم في السلام برقم ٢٢٤٤.
[٢] أخرج البخاري في بدء الخلق برقم ٣١٤٣ (عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال:
غفر لامرأة مومسة مرّت بكلب على رأس ركيّ يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك) ، و أخرج في الأنبياء برقم ٣٢٨٠ حديثا مثله، و أخرجه مسلم في السلام برقم ٢٢٤٥.
[٣] مسند أحمد ٥/٢٩٦، و أبو داود في الطهارة ١/١٩، و الترمذي في الطهارة ١/١٥٤.