الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣٣ - ٣٥٦- أطيب البهائم أفواها
لم يعفّ عن أموال جيرانكم، و منافع الكلب لا يحصيها الطّوامير [١] . و السّنّور مع ذلك يأكل الأوزاغ و العقارب، و الخنافيس، و بنات وردان [٢] ، و الحيّات، و دخّالات الآذان [٣] و الفأر و الجرذان، و كلّ خبيثة و كلّ ذات سمّ، و كلّ شيء تعافه النفس. ثمّ قلتم في سؤر السّنّور و سؤر الكلب ما قلتم. ثمّ لم ترضوا به حتّى أضفتموه إلى نبيّكم صلى اللّه عليه و سلم!!
٣٥٦-[أطيب البهائم أفواها]
و لا يشكّ الناس أن ليس في السباع أطيب أفواها من الكلاب [٤] ، و كذلك كلّ إنسان سائل الريق سائل اللعاب. و الخلوف [٥] لا يعرض للمجانين الذين تسيل أفواههم. و من كان لا يعتريه الخلوف فهو من البخر أبعد. و كما أنّ طول انطباق الفم يورث الخلوف. فكثرة تحلّب الأفواه بالريق تنفي الخلوف. و حتّى إنّ من سال فوه من اللعاب فإنّما قضوا له بالسلامة من فيه، و إن استنكهوه مع أشباهه وجدوه طيّبا، و إن كان لا يقرب سواكا على الريق. و كذلك يقال، إن أطيب النّاس أفواها الزّنج، و إن كانت لا تعرف سنونا [٦] و لا سواكا.
على أنّ الكلب سبع، و سباع الطير و ذوات الأربع موصوفة بالبخر، و الذي يضرب به في ذلك المثل الأسد، و قد ذكره الحكم بن عبدل في هجائه محمّد بن حسّان فقال: [من الوافر]
فنكهته كنكهة أخدريّ # شتيم شابك الأنياب ورد [٧]
و قال بشّار: [من الطويل]
و أفسى من الظّربان في ليلة الكرى # و أخلف من صقر و إن كان قد طعم [٨]
يهجو بها حماد عجرد.
[١] الطوامير: جمع طومار، و هو الصحيفة.
[٢] بنات وردان: دويبة تتولد في الأماكن الندية، و هي تألف الحشوش، أي النخل. حياة الحيوان ٢/٤٢٩.
[٣] دخال الأذن: دويبة ذات قوائم كثيرة، تسمى «أم أربعة و أربعين» .
[٤] رسائل الجاحظ ١/٢١٥ «فخر السودان على البيضان» .
[٥] الخلوف: تغير رائحة الفم.
[٦] السنون: ما يستاك به من دواء مؤلف لتقوية الأسنان و تطريتها.
[٧] البيت للحكم بن عبدل في الأغاني ٢/٤١٣، و البرصان ١٠٧.
[٨] ديوان بشار ٤/١٩٣.