الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣١ - ٣٥٥- دفاع عن الكلب
و العنز خرقاء، و أبوها و هو التّيس أخرق منها.
و أمر الدّيك و شأنه، و كيف يلفظ ما قد صار في منقاره، و كيف يؤثر به طروقته من ذات نفسه-شيء يراه الناس، و يراه جميع العباد.
و هذه المكرمة، و هذا الغزل، و هذا الإيثار [١] ، شيء يراه الناس لم يكن في ذكر قطّ ممّن يزاوج إلاّ الديك، و الدّيك أحقّ بهذا المثل. فإن كنتم قد صدقتم على العرب في تأويل هذا المثل فهذا غلط من العرب و عصبيّة للّبن، و عشق للدّقيق.
و المثل إنّما يلفظ به رجل من الأعراب، و ليس الأعرابيّ بقدوة إلاّ في الجر و النصب و الرفع و في الأسماء، و أمّا غير ذلك فقد يخطئ فيه و يصيب فالدّيك أحقّ بهذا المثل الذي ذكرنا، و سائر خصاله الشريفة.
و الذي يدلّ على أنّ هذا الفعل في الدّيك، إنّما هو من جهة الغزل لا غير، أنه لا يفعل ذلك إذا هرم و عجز عن السّفاد، و انصرفت رغبته عنهنّ و هو في أيّام شبابه أنهم و أحرص على المأكول، و أضنّ على الحبّ، فما له لم يؤثرهنّ به عند زهده، و يؤثرهنّ عند رغبته؟!و ما باله لم يفعل ذلك و هو فرّوج صغير، و صنع ذلك حين أطاق السفاد؟!فتركه لذلك في العجز عنهنّ، و بذله في أوقات القوة عليهنّ دليل على الذي قلنا، و هذا بيّن لا يردّه إلاّ جاهل أو معاند.
٣٥٥-[دفاع عن الكلب]
و قال صاحب الكلب: لسنا ننكر خصال الدّيك و مناقبه من الأخبار المحمودة، و لو لا ذلك ما ميّلنا [٢] بينه و بين الكلب. و من يميّل بين العسل و الخلّ في وجه الحلاوة و الحموضة؟!و كيف يفضل شيء على شيء و ليس في المفضول شيء من الفضل؟!و الذي قلتم من قذقه الحبّ قدّام الدّجاج صحيح. و ليس هذا الذي أنكرنا، و إنّما أنكرنا موضع المثل الذي صرفتموه إلى حجّتكم، و تركتم الذين ما زال الناس يقلّدونهم في الشاهد و المثل. و إن جاز لكم أن تردّوا عليهم هذا المثل جاز لكلّ من كره مثلا أو شاهدا أن يردّ عليهم كما رددتم، و في ذلك إفساد أمر العرب كله.
فإن زعمت أنّ الديك، كان أحقّ به، فخصومك كثير و لسنا نحيط بأوائل
[١] من الأمثال قولهم: «أسخى من ديك» ، و المثل في المستقصى ١/١٥٩، و الدرة الفاخرة ١/٢١٨.
[٢] ميّل بين الشيئين: رجح و وازن.