الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣٠ - ٣٥٤- أسمح من لافظة
أحدا من العلماء و من الذين رووا هذا المثل يقول ذلك. و الناس في هذا المثل رجلان:
زعم أحدهما أنّ اللافظة العنز؛ لأن العنز ترعى في روضة و تأكل من معلفها و هي جائعة. فيدعوها الراعي و صاحبها باسمها إلى الحلب، فتترك ما هي فيه حتى تنهك حلبا، و قال الآخر: اللافظة الرّحى، لأنّها لا تمسك في جوفها شيئا مما صار في بطنها.
و كيف تكون اللافظة الديك!و ليس لنا أن نلحق في هذه الكلمة تاء التأنيث في الأسماء المذكّرة. و اللافظة مع هاء التأنيث أشبه بالعنز و الرّحى، و إنّما سمّينا الجمل راوية، و حامل العلم راوية، و علاّمة، حين احتجّ أهل اللغة على ذلك و لم يختلفوا فيه، و كيف و لا اختلاف بينهم أنّ الديك خارج من هذا التأويل، و إنّ اختلافهم بين العنز و الرّحى.
و بعد فقد زعم ثمامة بن أشرس رحمه اللّه تعالى: أنّ ديكة مرو تطرد الدّجاج عن الحبّ، و تنزع الحبّ من أفواه الدّجاج [١] .
و قال صاحب الديك: قولهم: «أسمح من لافظة» لا يليق بالرّحى، لأنّ الرّحى صخرة صمّاء، و الذي يخرج ما في بطنها المدير لها، و العرب إنّما تمدح بهذه الأسماء الإنسان و ما جرى مجراه في الوجوه الكثيرة، ليكون ذلك مشحذة للأذهان، و داعية إلى السّباق و بلوغ الغايات و أمّا ترك الشّاة للعلف فليس بلفظ للعلف، إلاّ أن يحملوا ذلك على المجازات البعيدة، و قد يكون ذلك عند بعض الضّرورة. و الشّاة ترضع من خلفها حتّى تأتي على أقصى لبن في ضرعها، و تنثر العلف، و تقلب المحلب [٢] ، و تنطح من قام عليها و أتاها بغذائها. و هي من أموق [٣] البهائم، و زوجها شتيم [٤] المحيّا، منتن الريح، يبول في جوف فيه و في حاق [٥] خياشيمه.
و تقول العرب: «ما هو إلاّ تيس في سفينة» [٦] ، إذا أرادوا به الغباوة و «ما هو إلاّ تيس» ، إذا أرادوا به نتن الريح.
[١] انظر البخلاء ١٨، و العقد الفريد ٦/١٧٤، و معجم البلدان (مرو) ، و ربيع الأبرار ٥/٤٤٣.
[٢] المحلب: إناء يحلب فيه.
[٣] الموق: الحمق.
[٤] الشتيم: الكريه الوجه.
[٥] حاق الشيء: وسطه.
[٦] هذا القول استخدمه أبو الشمقمق في هجاء بشار فقال:
هلّلينه هلّلينه # طعن قثّاة لتينه
إن بشار بن برد # تيس أعمى في سفينه
انظر الأغاني ٣/١٩٥، ٢٤٧، و نكت الهميان ١٢٦.