الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢٦ - ٣٥٠- أثر العين الحاسدة
٣٥٠-[أثر العين الحاسدة]
و لا تبعدنّ هذا من قلبك تباعدا يدعوك إلى إنكاره، و إلى تكذيب أهله. فإن أبيت إلاّ إنكار ذلك، فما تقول في فرس تحصّن [١] تحت صاحبه، و هو في وسط موكبه، و غبار الموكب قد حال بين استبانة بعضهم لبعض، و ليس في الموكب حجر و لا رمكة [٢] ، فيلتفت صاحب الحصان فيرى حجرا أو رمكة، على قاب غرض أو غرضين [٣] ، أو غلوة أو غلوتين [٤] . حدّثني، كيف شمّ هذا الفرس ريح تلك الفرس الأنثى، و ما باله يدخل دارا من الدّور، و في الدّار الأخرى حجر، فيتحصّن [٥] مع دخوله من غير معاينة و سماع صهيل!! و هذا الباب سيقع في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
و قال أبو سعيد عبد الملك بن قريب: كان عندنا رجلان يعينان الناس، فمرّ أحدهما بحوض من حجارة، فقال: تاللّه ما رأيت كاليوم قطّ!فتطاير الحوض فلقين، فأخذه أهله فضبّبوه [٦] بالحديد، فمرّ عليه ثانية فقال: و أبيك لقلّما أضررت أهلك فيك!فتطاير أربع فلق.
قال: و أمّا الآخر، فإنّه سمع صوت بول من وراء حائط فقال: إنّك لشرّ الشّخب [٧] !فقالوا له: إنه فلان ابنك، قال: وا انقطاع ظهراه!قالوا: إنه لا بأس عليه.
قال: لا يبول و اللّه بعدها أبدا!قال: فما بال حتّى مات.
قال الأصمعيّ: و رأيت أنا رجلا عيونا فدعي عليه فعور. قال: إذا رأيت الشيء يعجبني، وجدت حرارة تخرج من عيني.
قال: و سمع رجل بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها [٨] ، فقال: أيتهن هذه، فخافوا عينه فقالوا: الفلانيّة-لأخرى ورّوا بها عنها-فهلكتا جميعا: المورّى بها و المورّى عنها.
[١] تحصّن: ظهر عليه ميل الفحولة.
[٢] الحجر و الرمكة: أنثى الخيل.
[٣] الغرض: قدر رمية السهم إلى الهدف.
[٤] الغلوة: قدر ما تصل الرمية بالسهم.
[٥] تحصن: ظهر عليه ميل الفحولة.
[٦] ضببت الخشب و نحوه: ألبسته الحديد.
[٧] الشخب: الدم، أو ما خرج من الضرع من اللبن.
[٨] الشخب: الدم، أو ما خرج من الضرع من اللبن.