الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩٢ - ٢٩٨- فراسة إياس بن معاوية
كفرعون إذ يرمي السّماء بسهمه # فردّ عليه السهم أفوق ناصلي [١]
فهذا يرمي السماء بجهله، و هذا ينبح السحاب من جودة فطنته.
٢٩٦-[تعصّب فهد الأحزم للكلب]
و زعم فهد الأحزم أنّ الكلب إنّما عرف مخرج ذلك الشيء المؤذي له حتّى نبحه بالقياس، لأنّه إنما نبحه بعد أن توالى عليه الأذى من تلك الجهة. و كان فهد يتعصّب للكلب. فقلت له: و كذلك الحمار إذا رفعت عليه السّوط مرّ من تحتك مرّا حثيثا، فالقياس علّمه أنّ السّوط متى رفع حطّ، و متى حطّ أصابه، و متى أصابه ألم.
فما فضل الكلب في هذا الموضع على الحمار، و الحمار هو الموصوف بالجهل؟!
٢٩٧-[مما قيل في نباح الكلاب]
قال الفرزدق: [من الطويل]
و قد نبح الكلب السحاب و دونها # مهامه تعشي نظرة المتأمّل [٢]
و قال الآخر: [من الرجز]
ما لك لا تنبح يا كلب الدّوم # قد كنت نبّاحا فما بال اليوم [٣]
قال: كان هذا رجل ينتظر عيرا له تقدم، فكان إذا جاءت العير نبح، فاحتبست عليه العير، فقال كالمتمنّي و كالمنتظر المستبطئ: ما لك لا تنبح؟أي ما للعير لا تأتي.
٢٩٨-[فراسة إياس بن معاوية]
و قال [٤] : خرج إياس بن معاوية، فسمع نباح كلب فقال: هذا كلب مشدود. ثم سمع نباحه فقال: قد أرسل. فانتهوا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال.
فقال له غيلان أبو مروان: كيف علمت أنّه موثق و أنّه أطلق؟قال: كان نباحه و هو موثق يسمع من مكان واحد، فلما أطلق سمعته يقرب مرّة و يبعد مرة، و يتصرّف في ذلك.
و قالوا [٥] : مرّ إياس بن معاوية ذات ليلة بماء، فقال: أسمع صوت كلب غريب.
[١] السهم الأفوق: المكسور الفوق، و هو موضع الوتر من السهم.
[٢] ديوان الفرزدق ٢/١٧٧، و أساس البلاغة (فرس) .
[٣] الرجز بلا نسبة في رسائل الجاحظ ١/٣٤٣، و مجمع الأمثال ٢/٢٨٨.
[٤] الراوي هو المدائني كما في ثمار القلوب ١٨٢، و أخبار الأذكياء ٦٩.
[٥] الخبر في ثمار القلوب (١٨٣) ، و أخبار الأذكياء ٦٩، و بهجة المجالس ١/٤٢٣، و الوافي بالوفيات ٩/٤٦٦.