الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩٠ - ٢٩٣- تفسير شعر قيل في الكلاب
و أما قوله: و عقّ الولد، فإنّ المرأة إذا صبّحتهم الخيل، و نادى الرجال يا صباحاه! ذهلت عن ولدها، و شغلها الرّعب عن كلّ شيء [١] . فجعل تركها احتمال ولدها و العطف عليه في تلك الحالة، عقوقا منها، و هو قولهم: نزلت بهم أمور لا ينادى وليدها [٢] ، و إنّما استعاروا هذه الكلمة فصيّروها في هذا الموضع من هذا المكان.
و قد ذكر ذلك مزرّد بن ضرار و غيره، فقال: [من الطويل]
تبرّأت من شتم الرجال بتوبة # إلى اللّه مني لا ينادى وليدها [٣]
و قال الآخر: [من الطويل]
ظهرتم على الأحرار من بعد ذلّة # و شقوة عيش لا ينادى وليدها
و الذي يخرسه إفراط البرد، و إلحاح المطر، كما قال الهذليّ: [من البسيط]
و ليلة يصطلي بالفرث جازرها # يختص بالنّقرى المثرين داعيها [٤]
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة # من الصّقيع، و لا تسري أفاعيها
و قال ابن هرمة: [من الخفيف]
و اسأل الجار و المعصّب و الأضيا # ف وهنا إذا تحيّوا لديّا [٥]
كيف يلقونني إذا نبح الكلـ # ب وراء الكسور نبحا خفيّا
و قال آخر: [من المتقارب]
إذا عمي الكلب في ديمة # و أخرسه اللّه من غير صرّ [٦]
[١] انظر الحاشية السابقة.
[٢] في مجمع الأمثال ٢/٣٩٠ «هم في أمر لا ينادى وليده» ، و في فصل المقال ٤٧١، و أمثال ابن سلام ٣٤٢ «القوم في أمر لا ينادى وليده» ، و انظر الفاخر ٢٨٠، و المستقصي ٢/٣٦١، و جمهرة الأمثال ٢/٣٧٦، ٤٠٧. و في المثل عدة أقوال منها: أن الصبيان إذا رأوا شيئا عجيبا تحشدوا له، مثل القراد و الحاوي، فلا ينادون؛ و لكن يتركون يفرحون، و قيل: معناه أمر عظيم لا ينادى فيه الصغار، و إنما يدعى فيه الكهول و الكبار...
[٣] ديوان مزرد بن ضرار ٥٧، و اللسان و التاج (ولد) ، و تهذيب اللغة ١٤/١٧٦، و بلا نسبة في مجمع الامثال ٢/٣٩٠.
[٤] البيتان لجنوب أفت عمر و ذي الكلب في ديوان الهذليين ٣/١٢٦، و شرح أشعار الهذليين ٥٨٢، و المعاني الكبير ٤١٥، ١٢٤٩، و مجموعة المعاني ١٩٠، و لريطة أخت عمرو في نوادر المخطوطات ٢/٢٤٢، و لأبي ذؤيب الهذلي في الحماسة البصرية ٢/٣٥٢، و لبعض هذيل في أمالي المرتضى ١/٣٥٤، و البخلاء ٢١٥، و لعمرو بن الأهتم في ديوانه ١٠١، و الحماسة الشجرية ١٨٨-١٩٠، و لهبيرة بن أبي وهب في السيرة لابن هشام.
[٥] ديوان ابن هرمة ٢٢٧.
[٦] الديمة: مطر يدوم في سكون بلا رعد و برق. الصر: البرد الشديد.