الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩١ - ٢٩٥- قول أبي حيّة النميري في الكلب
يقول: الكلب و إن أخرسه البرد الذى يكون مع المطر و الرّيح التي تمرّ بالصّحارى المطيرة فتبرد، فإنّ الكلب و إن ناله ذلك فإنّ ذلك من خصب، و ليس ذلك من صرّ.
٢٩٤-[سبب نبح الكلاب السحاب]
و الكلب إذا ألحّت عليه السحائب بالأمطار في أيام الشتاء لقي جنّة فمتى أبصر غيما نبحه [١] ، لأنّه قد عرف ما يلقّى من مثله، و في المثل: «لا يضرّ السّحاب نباح الكلاب» [٢] فقال الشاعر: [من الطويل]
و ما لي لا أغزو و للدّهر كرّة # و قد نبحت نحو السماء كلابها
يقول: قد كنت أدع الغزو مخافة العطش على الخيل و الأنفس، فما عذري اليوم و الغدران كثيرة، و مناقع المياه موفورة.
و الكلاب لا تنبح السحاب إلاّ من إلحاح المطر و ترادفه [٣] .
و قال الأفوه الأوديّ، في نبح الكلاب السحاب، و ذلك من وصف الغيم: [من الطويل]
له هيدب دان و رعد و لجّة # و برق تراه ساطعا يتبلّج [٤]
فباتت كلاب الحيّ ينبحن مزنه # و أضحت بنات الماء فيها تعمّج [٥]
٢٩٥-[قول أبي حيّة النميري في الكلب]
و قال أبو خالد النميريّ: و ذكروا فرعون ذا الأوتاد عند أبي حيّة النميريّ، فقال أبو حيّة: الكلب خير منه و أحزم!قال: فقيل له كيف خصصت الكلب بذلك؟قال:
لأنّ الشاعر يقول: [من الطويل]
و ما لي لا أغزو و للدّهر كرّة # و قد نبحت نحو السماء كلابها
و قال الفرزدق: [من الطويل]
فإنّك إن تهجو حنيفة سادرا # و قبلك قد فاتوا يد المتناول [٦]
[١] الجنة: الجنون.
[٢] المثل في مجمع الأمثال ٢/٢١٥، و المستقصى ٢/٢٧٢، يضرب لمن ينال من إنسان بما لا يضره.
[٣] من الأمثال قولهم «أهون من النباح على السحاب» و المثل في مجمع الأمثال ٢/٤٠٨، و المستقصى ١/٤٤٥، و جمهرة الأمثال ٢/٣٥٣، ٣٧٣، و الدرة الفاخرة ٢/٤٢٩، ٤٣٢.
[٤] البيتان في ديوانه ٩. الهيدب: السحاب المتدلي. اللجة: الجلبة.
[٥] بنات الماء: السمك. تعمج: تسبح في الماء.
[٦] لم يرد البيتان في ديوان الفرزدق.