الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٦٢ - ٢٧١- طباع الكلب العجيبة
فإذا كلب من الغيظ و الغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب، و ليس أنّ هناك دما في الحقيقة يشرب و لو لا قول عاصم بن القرّيّة: «و النّطاسيّ واقف» . لكان ذلك التأويل جائزا.
و قول عوف بن الأحوص: [من الوافر]
و لا العنقاء ثعلبة بن عمرو # دماء القوم للكلبى شفاء [١]
و في الكلب يقول الأعشى: [من الطويل]
أراني و عمرا بيننا دقّ منشم # فلم يبق إلاّ أن يجنّ و أكلبا [٢]
أ لا ترى أنّه فرّق بينهما، و لو كان كما قال لبيد بن ربيعة: [من البسيط]
يسعى خزيمة في قوم ليهلكهم # على الحمالة هل بالمرء من كلب [٣]
لكان ذلك على تأويل ما ذهبوا إليه جائزا، و قال الآخر: [من الطويل]
و أمر أميري قد أطعتم فإنّما # كواه بنار بين عينيه مكلب [٤]
و هذا عندي لا يدخل في الباب الأوّل، و قد جعلوه منه.
٢٧١-[طباع الكلب العجيبة]
قال صاحب الكلب: و زعمتم أنّه يبلغ من فضل قوّة طباع الدّيك في الإلقاح، أنّه متى سفد دجاجة و قد احتشت بيضا صغارا من نتاج الرّيح و التراب، قلبها كلّها حيوانا و لو لم يكن سفدها إلاّ مرّة واحدة، و جعلتموه في ذلك بغاية الفحلة، فطباع الكلب أعجب إلقاحا و أثقب، و أقوى و أبعد، لأنّ الكلب إذا عضّ إنسانا، فأوّل ذلك أن يحيله نبّاحا مثله، و ينقله إلى طباعه، فصار ينبح، ثم يحبله و يلقحه بأجراء صغار يبولها علقا في صور الكلاب، على بعد ما بين العنصرين و الطّبعين و الجنسين، و الذى يتولّد في أرحام الدجاج، أقرب مشاكلة إلى طباع الديك، فالكلب هو العجب العجيب، لأنّه أحبل ذكرا من خلاف جنسه، و لأنّه مع الإحبال و الإلقاح، أحاله نبّاحا
[١] البيت لعوف بن الأحوص في المفضليات ١٧٥، و شرح اختيارات المفضل ٨٠٩، و بلا نسبة في المقاييس ٤/١٦٢، و التاج (عنق) .
[٢] ديوان الأعشى ١٦٧، و اللسان (نشم) ، و تهذيب اللغة ١١/٣٨٢.
[٣] ديوان لبيد ٣٤٩. الحمالة: الدية التي يحملها قوم عن قوم.
[٤] في اللسان: كدا (كدا: داء يأخذ الجراء خاصة؛ يصيبها منه قيء و سعال، حتى يكون ما بين عينيه فيذهب. كدي الكلب كدا: إذا نشب العظم في حلقه) .