التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٥٥ - باب الفقر
اجابه به بعض الشيوخ من ان ذلك ليس بالإعراض و الأسباب فانقطع و لم ينطق و الغنى بالأسباب كالتكبر دون الاستحقاق في انه ليس من صفات اللّٰه و لا محمودا في العباد و ان وصف اللّٰه نفسه بالمتكبر و التقييد بدون الاستحقاق للاحتراز عن مثل تكبر المؤمن على الكافر و العادل على الفاسق فإنه محمود لا ضير فيه و ما قيل ان على العبد ان المؤمن أكبر من الكافر و المطيع من العاصي و الإنسان من البهيمة و أقرب الى اللّٰه منها و لو راى الإنسان نفسه بهذه الصفة رؤية محققه لا يشك فيها لكانت صفه الكبر لائقة به و فضيلة في حقه الا انه لا سبيل له الى معرفته فان ذلك موقوف على الخاتمة و ليس يدرى كيف تتفق فلجهله بها وجب ان لا يعتقد لنفسه رتبة فوق رتبة الكافر إذ ربما يختم له بالايمان و له بالكفر فمغالطه لان الكلام ليس في القرب الى اللّٰه و لا في الكبر النفساني بل في التكبر اعنى الترفع و غيره مما ذكر فيما سلف و ما ورد في الحث على إذلال الكافر و الفاسق و إسقاط حرمتهما و التكبر على المتكبر و نحو ذلك مما يدل على رجحان هذا النوع من التكبر فهو من باب الاستحقاق فليتأمل و لا بالقدرة على العبادات المالية كالزكاة و الصدقة و مواساة المحتاجين و نحوها مما يفوز بثوابه الأغنياء و يحرم عنه الفقراء كما زعمه بعض المنتصرين له لأنها لم يندب إليها الفقراء الذين لا حظ لهم من الدنيا و انما يندب إليها ذوو الدنيا و توجب الثواب لترك شيء من الدنيا في ضمن ما أتوا به من الإنفاق كالتوبة الموجبة للثواب لترك الذنب المتوب عنه فإنه لا شك ان الكاف نفسه عن الذنب ابتداء أحق بالمثوبة من الذي اتى به و استحق العقوبة ثم تاب عنه و الثواب المستحق بالعبادة المالية نظير الصحة المكتسبة بالفصد الموجب لإخراج ما اجتمع في البدن من الدم الفاسد فان البدن الذي لم يجتمع فيه الدم الفاسد و لم يندب الى الفصد لا ريب انه أصح و اعدل مزاجا و أرجى عافية كما لا يخفى و أيضا فإن اليسار ليس غنى بالحقيقة و هذا منع بعد التسليم فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو سيد السالكين و امام العارفين (١) باتفاق الكل ليس الغنى بكثرة العرض إنما الغنى غنى النفس و هو ان يستوي عنده وجود المال و عدمه فهو المضاهي بوجه من الوجوه للغنى الذي يوصف به اللّٰه سبحانه و هو الذي سميناه استغناء و الاستغناء عن الشيء بعدم الالتفات اليه خير من الاستغناء به لأنه أقرب الى التجرد و أشبه بالربوبية و في التنبيه على غوائل الغنى بذكر فوائد الفقر و طي فوائده اقتفاء لما ورد عن الشارع الحكيم (صلوات اللّٰه عليه) من رعاية المصلحة الغالبة في ذم المال لأن إثمه
(١) رواه في المصابيح عن النبي ص من الصحاح م