التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٢٢١ - باب تطهير السر عما سوى اللّٰه
بعض هذه الألفاظ بادى الرأي الا ان لها معاني مقبولة قد عبر عنها في الكتاب و السنة بغير هذه الألفاظ بل و بهذه الألفاظ أيضا في بعض الاخبار و الأدعية المأثورة سيما المناجاة الإنجيلية الطويلة المروية عن سيد الساجدين (صلوات اللّٰه عليه) و دعاء عرفة المأثور عن سيد الشهداء (عليه السلام) على ان المناقشة في اللفظ بعد وضوح المعنى ليس من دأب المحصلين و بيان ذلك مختصرا ان الشوق عبارة عن توقان النفس الى محبوب حاضر من وجه غائب من وجه آخر كمن انقطع عن معشوقه فإنه يشتاق إليه لأنه غائب عن نظره حاضر في ذهنه فلو طالت المفارقة حتى نسيه و غاب عن ذهنه ايضا فصار غائبا مطلقا لا يتصور ان يشتاق اليه كما لا يتصور ان يشتاق الى من لم يره أصلا و لم يسمع بوصفه مطلقا و كذا لو حضر المعشوق عنده و صار حاضرا مطلقا فإنه لا يبقى شوق حينئذ الا انه يمكن حضوره على وجه يراه في ظلمته أو من وراء ستر رقيق فإنه يتصور ان يكون مشتاقا الى زوال تلك الظلم أو ذلك الستر حتى يدركه على الوجه الأتم الأوضح لأن الحضور في الظلمة أو من وراء الستر لا يخلو عن غيبة ما و كذا يمكن ان يرى وجهه دون شعره أو شعره دون محاسنه أو كلامه أو مشيه فيشتاق الى ان يحيط بإدراكه بحيث لا يغيب عنه من أحواله شيء و في مقام الشوق يتصور الوجهان جميعا فان المعارف المنكشفة على المحبين لا تخلو عن شوب خفاء بظلمه الوهم و حجاب الغيب و الخلوص عنهما بالكلية مما لا تيسر في دار الدنيا لأحد و ان تيسر أحيانا فلا يبقى و لا يدوم بل هو كالبرق الخاطف كما سبق نظيره و أبقى ما اتفق منه لأكمل الأولين و الآخرين صلى الله عليه و آله (١) ما سنح له ليلة المعراج فانى
(١) في كتاب عوالي اللئالي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال ناجى داود ربه فقال الهى لكل ملك خزانة فأين خزانتك فقال جل جلاله لي خزانة أعظم من العرش و أوسع من الكرسي و أطيب من الجنة و أزين من الملكوت أرضها المعرفة و سماؤها الايمان و شمسها الشوق و قمرها المحبة و نجومها الخواطر و سحابها العقل و مطرها الرحمة و أشجارها الطاعة و ثمرها الحكمة و لها أربعة أبواب العلم و الحلم و الصبر و الرضا الا و هي القلب. و فيه ايضا انه دخل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) رجل اسمه مجاشع فقال يا رسول اللّه كيف الطريق إلى معرفة الحق فقال معرفة النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق إلى موافقة الحق قال مخالفة النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى رضا الحق فقال سخط النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى وصل الحق قال هجر النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق إلى طاعة الحق قال عصيان النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى ذكر الحق قال نسيان النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى قرب الحق قال التباعد عن النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق إلى انس الحق قال الوحشة من النفس فقال يا رسول اللّه فكيف الطريق الى ذلك قال الاستعانة بالحق على النفس م