التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٢٢٣ - باب تطهير السر عما سوى اللّٰه
النفس مهما ادعت محبة اللّٰه ما لم يمتحنها بالعلامات و لم يطالبها بشواهد الصدق فان على كل حق حقيقة و ان على كل صواب نورا و علاماتها كثيره و المذكور منها بضعة و ان تداخل بعضها ببعض منها كتمانها و اجتناب الدعوى و التوقي من إظهار الوجد و العشق تعظيما للمحبوب و إجلالا له و هيبة منه و غيرة على سره فان الحب سر من اسرار الحبيب لا يسوغ ابتذاله و في هذا المعنى ما قيل
گل گفت ببلبل مكن إظهار محبت * * * سهل است متاعي كه به فرياد فروشند
و لانه قد يدخل في الدعوى ما يجاوز حد المعنى و يزيد عليه فيكون ذلك كذبا تعظم العقوبة عليه نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه يدهش فيها و تضطرب أحواله فيقع في مقام الشطح و يظهر عليه حبه فان وقع ذلك من غير تمحل و قصد فهو معذور إذ ربما تشتعل من الحب نيرانه فلا يطاق سلطانه و قد يفيض به القلب فلا يندفع فيضانه و منها حب الموت فإنه موعد للقاء الا ان ينتظر حسن التأهب كما تقدم و منها الإطاعة في الأوامر و النواهي و إيثار ما أحبه اللّٰه على ما يحبه في ظاهره و باطنه كما قال القائل
تعصي الإله و أنت تظهر حبه * * * هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته * * * إن المحب لمن يحب مطيع
و في كلام بعضهم ان العصيان انما ينافي كمال المحبة دون أصلها إذ لا يخلو عنه مؤمن و ذلك كالمريض يحب نفسه و يحب الصحة و ربما يأكل ما يضره و هو يعلم انه يضره لا لعدم حبه لنفسه و لكن المعرفة قد تضعف و الشهوة قد تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة و منها التلذذ بالعبادة دون استثقالها كما يوجد في المشاهدات من نشاط العاشق في السعى في هوى المعشوق و الاستلذاذ بخدمته بقلبه و ان كان شاقا على بدنه و مهما عجز بدنه كان أحب الأشياء اليه ان يعاوده القدرة و يفارقه العجز حتى يشتغل به و أعلى منه التلذذ بالمصيبة و الشكر عليها فان كل ما يفعل الحبيب حبيب كما مر و منها الحرص في الخلوة عن الخلق و المناجاة مع اللّٰه بالسر و تلاوة القرآن فيغتنم هدو الليل و صفاء الوقت بانقطاع العوائق و في بعض الآثار (ا) ان اللّٰه اوحى الى بعض الصديقين ان لي عبادا من عبادي يحبوننى و أحبهم و يشتاقون الى و اشتاق إليهم و يذكرونني و اذكرهم و ينظرون الى و انظر إليهم فإن حذوت طريقهم أحببتك و ان عدلت عنهم مقتك قال يا رب و ما علامتهم قال عز و جل يراعون الظلال بالنهار كما يراعى الشفيق غنمه و يحنون الى غروب الشمس كما تعن الطير إلى أوكارها عند الغروب فإذا جنهم الليل و اختلط الظلام و فرشت الفرش و نصبت الأسرة و خلا كل حبيب بحبيبه نصبوا الى اقدامهم و فرشوا