التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٣٠ - مقدمة في تقسيم العلم بوجه آخر
هز عظيم للنفوس الإنسانية كما يرى و يتلطف في موعظته للاقتصار على الميسور و قدر الكفاية من الدنيا و القناعة بذلك عما يشغل القلب عن طلب العلم و يفرق الهم و يحب و يكره له ما يحب لنفسه و يكره و يزجره عن سوء الأخلاق و ارتكاب المناهي و كل ما يؤدى الى فساد حال أو بطالة عن اشتغال أو إساءة أدب أو كثرة كلام لغير فائدة أو معاشرة من لا يليق أو نحو ذلك بطريق التعريض ما أمكن فان لم ينجع نهاه سرا ثم جهرا و غلظ عليه القول ان اقتضاه الحال لينزجر هو و غيره و يتأدب به كل سامع فان لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده و الاعراض عنه الى ان يرجع لا سيما إذا خاف على بعض رفقته من الطلبة موافقته و ان يسامح في نشر العلم و تقريبه الى ذهنه متلطفا في الإفادة برفق و نصيحة و تحريص على حفظ ما يبذله له من الفوائد النفيسة و لا يدخر عنه من فنون العلم شيئا يحتاج اليه أو يسأل إذا كان أهلا لذلك فان لم يتاهل بعد لما سأل عنه نبهه على ان ذلك يضره و انه لم يمنعه عنه شحا بل شفقة و لطفا ثم يرغبه بعد ذلك في الاجتهاد و التحصيل ليتأهل لذلك و لغيره و قد ورد في تفسير الرباني انه الذي يربى الناس بصغار العلم قبل كباره. و يأمر الطلبة بالاجتماع في الدرس لما يترتب عليه من الفائدة التي لا تحصل مع الانفراد و ينصفهم في البحث فيعترف بفائدة يقولها بعضهم و ان كان صغيرا و يسمع السؤال من مورده على وجهه و لا يترفع عن سماعه فيحرم الفائدة و يطرح عليهم أحيانا من النكات و الدقائق الغريبة ما تتشحذ به أذهانهم و إذا سلك أحدهم في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو فهمه حمله برفق على الاقتصار على مقتضى الحال و قدر الفهم أو المراد انه يقتصر له في بيان المسائل و توضيح المشكلات التي لها وجوه متعددة متفاوتة على ما يبلغه فهمه و يكتم عنه ما لا يبلغه فهمه لانه يفرق عليه الهم و ينفر الطبع و يفسد الحال و في الحديث النبوي نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم فنكلمهم على قدر عقولهم. و فيه ما أحد يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم الا كان فتنة على بعضهم. و على الوجهين فهو من آداب المعلم و يحتمل ان يعتبر من آداب المتعلم بان يكون المراد اقتصاره على ما يبلغه فهمه من المراتب متدرجا من كل مرتبة الى ما فوقها و لا يخالف الترتيب فيتبلد ذهنه و يضيع سعيه و قطع الطمع عن المتعلمين لمنافاته الإخلاص فلا يسألهم عليه أجرا تأسيا بالأنبياء فان العلماء ورثتهم بل يعلمهم لوجه اللّٰه لا يريد منهم جزاء و لا شكورا و لا يرى لنفسه منه عليهم و ان كانت المنة