التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٤٦ - باب التواضع
سميعا بصيرا موسرا قادرا قويا و رتب له جميع ما يرتفق به في معاشه من المطعم و المسكن و الملبس و المركب و من أسباب الزينة و التجمل و التفكه مثل ذلك و امره أن يأتي كل يوم باب السلام و يمكث هناك هنيئة مع أمثاله من المأمورين و يرجع و وعده ان يجزل له يوم العرض العام بإزاء هذه الخدمة اليسيرة ضروبا من الإنعامات مما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ثم انه بعد ما اعتدلت أحواله يركب كل يوم مركبة الذي أعطاه الملك و يغدو الى الباب كما أمر لحظه خفيفة ثم يعود مرحا الى ما واه مترفا مسرفا في اتباع هواه مشتغلا باللذات متوسعا في الشهوات متنعما بالطيبات التي أدرها له الملك ثم يكون هذا الغافل الكفور مستصغرا جميع هذه المحامد الجليلة و مستعظما غدوة الى الباب و معجبا به و هل هذا الا جهل و شقاء و سفه و قلة حياء بل حال المعجب بعمله أفحش و أشنع من حال هذا الجاهل أضعافا مضاعفة لا تحصى على مقدار التفاوت بين كرمه و نعمه تعالى و كرم الملك المفروض و نعمه و في بعض الآثار ان عابدا من بنى إسرائيل كان مقيما في كهف و بجنبه عين ماء و أشجار مثمرة كان مكتفيا بها العابد فمكث ما شاء اللّٰه صائما نهاره قائما ليله فدخله العجب فلما أفطر ليلته بشيء من الثمار و ذهب الى العين ليشرب على عادته رآها قد غارت و لا ماء فاضطرب و اشتد به العطش فانحدر من الجبل بطلب الماء فلقيه ملك في هيئة رجل معه قربة من ماء فقال له العابد اسقني سقاك اللّٰه قال هات الثمن قال ما عندي شيء و انا فلان العابد فقال هات عبادتك فقال العابد انى يسوغ هذا و انا أعبد اللّٰه منذ كذا سنه كيف ابذلها على شربة من ماء فقال الرجل لا بد من ذلك فساومه بالعشر و التسع و لا يزال يزيد شيئا فشيئا و الرجل لا يرضى الى ان رضى العابد بالجميع فلما بذلها له جميعا ناوله الماء فلما شرب و ارتوى عرك الملك اذنه و قال له مهلا ايها المعجب باعمال قدرها شربة من ماء و أنت تشرب كل يوم كم شربة فأي شيء تستعظم من عملك فعلم العابد ان ذلك كان تنبيها من اللّٰه له و الآخر بمعرفة حقيقة الكمال و انقسامه بادى الرأي إلى الدنيوي و الديني و ان الكمال الدنيوي و هو ما عدا العلم و العمل من المفارقات وهمي لا حقيقة له كما تقدم فلا يحسن استعظامه و العجب به و الكمال الديني و هو العلم النافع و العمل به ينافيه و ينفيه فالعلم و هو في الحقيقة من جمله الأعمال القلبية و إذا قوبل به العمل أريد القسم البدني و الصناعي منه النافع منه ما يزيد خوفا منه تعالى بحمل المواطاة و