التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٦٠ - باب الزهد
من الدنيا سما و وجد حلاوة حب اللّٰه و كان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط و انما خالط القوم لا يلتذ بالعبادة و لا يجد حلاوتها مع ما يجب من حب الدنيا. الحديث و تعظيم قدرها بالاهتمام بها و التشوق إليها و التهيؤ لها قبل دخول وقتها و القيام بآدابها و كمالاتها و اليقين بان التوفيق لها نعمة مشكورة من اللّٰه لأنها تعريض للثواب و محبة اللّٰه بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول ففي الحديث النبوي ازهد في الدنيا يحبك اللّٰه و عن ابى عبد اللّٰه ع إذا تخلى المؤمن حلاوة حب اللّٰه فلم يشتغلوا بغيره. فهذه ثمرات الزهد و خصائصه أو الأخيرة خاصة فإنها لا تحصل الا بدوام الذكر و الفكر غالبا الممتنعين مع الشغل بالدنيا فالزهد فيها رفع للمانع و الدنيا و الآخرة عبارة عن جمله حالات القلب فالقريبه الدانية منها هي الدنيا و هي الحالات التي قبل الموت و المتراخية المتأخرة هي الآخرة و هي الحالات التي بعده لكن جميع الحالات الدانية ليست من الدنيا المذمومة التي يزهد فيها مطلقا بل تنقسم أولا إلى اختيارية و غيرها و غير الاختيارية لا تحمد و لا تذم سواء كان للنفس رغبة إليها كالعافية و سعة الرزق أو عنها كالمحن و الشدائد و الاختيارية تنقسم أقساما منها أمور حاضرة تميل إليها النفس و تستلذها مما لا منفعة لها بعد الموت سواء كان لها مضرة كالتلذذ بالمعاصي و المحرمات أم لا كالتنعم بفضول المباحات فإنها لا تستتبع عقابا و ان كانت محرمة عن فضل كثير و هذا من المذموم المزهود فيه و منها أمور عاجلة يؤتى بها في الحياة و تظهر ثمرتها بعد الممات و هي الأعمال الصالحة و ما لا بد منه فيها من العلوم سواء كان للنفس بها لذة أم لا فان العابد قد يأنس بعبادته و يستلذها بحيث يهجر فيها النوم و النكاح و الطعام لأنها أشهى عنده من الجميع و لو منع عنها لكان ذلك أشد النكايات عليه قال بعضهم ما أخاف من الموت الا لأنه يحول بيني و بين قيام الليل و كذا العالم بعلمه و كان بعضهم إذا انكشف له شيء من العلم ينادى اين أبناء الملوك من هذه اللذات و منها ما يتوسط بين القسمين و هي الحظوظ العاجلة التي لها مدخل في الأعمال الصالحة كقدر الحاجة من الطعام و المسكن و نحوهما من ضرورات التعيش في الدنيا و ما لا بد منه فيهما و هذا ان أريد به حيثية الحظ العاجل التحق بالدنيا و ان أريد حيثية المعونة على العبادة التحق بالعبادة و قد عد التعرض للرزق من العبادة ففي الحديث النبوي العبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال و العبادة و ان كانت معدودة من الدنيا بوجه كما في الحديث النبوي حبب الى من دنياكم ثلاث النساء و الطيب و قرة عيني في الصلاة إلا أنها بأنواعها العملية و العلمية و كذا ما لا بد منه فيها بوجه أقوى معدودة