التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٥٩ - باب الزهد
باعتبارين و هو ينشأ من العلم بان المرغوب عنه حقير بالنسبة إلى المرغوب اليه كعلم التاجر بان العوض خير من المبيع فمن قوى يقينه بان ما عند اللّٰه باق و ان الآخرة خير و أبقى و ان ثواب اللّٰه خير لمن آمن و عمل صالحا و لا يلقيها الا الصابرون اشتاقت نفسه الى الآخرة و غرفت عن الدنيا و من ثمة سماه اللّٰه بيعا في قوله عز و جل إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّٰهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ وَ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. و لا يحتاج من العلم في الزهد الا الى هذا القدر و قد يعلم ذلك من لا يزهد اما لضعف يقينه أو لاستيلاء الشهوة عليه في الحال فيغتر بمواعيد الشيطان في التسويف الى ان يختطفه أحد الخطرين المتقدم بيانهما و يثمر العلم المقصود لذاته و هو النور الإلهي المقذوف في قلب من يريد اللّٰه ان يهديه و في الحديث النبوي من أراد ان يؤتيه اللّٰه علما بغير تعلم و هدى بغير هداية فليزهد في الدنيا. و قد تقدم فيه انه علامة ذلك النور و عبر عنه بالتجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التهيؤ للموت قبل نزوله. و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم من زهد في الدنيا اثبت اللّٰه الحكمة في قلبه و أنطق بها لسانه. الحديث و الفراغ للعبادة فان المتعلق بالدنيا في شغل شاغل فان الوجيه متفرق الهم مشغول القلب بصيانة جاهه و المحافظة على سد الأبواب التي يدخل عليه الخلل من جهتها و المميل أكثر هما و أشغل قلبا فصاحب الضيعة يمسي و يصبح متفكرا في خصومة الفلاح و محاسبته و خيانته و خصومة الشركاء و منازعتهم في الماء و الحدود و خصومة أعوان السلاطين في الخراج و الاجراء في التقصير في العمارة و صاحب التجارة في خيانة شريكه و كساد سلعته و مماطلة معامليه و مخاطرة قافلته من اللصوص و كذا صاحب الحيوان و الزراعة و غيرهما من الحرف و الصناعات و المحروم منهما محترق الفؤاد بنيران الحسرة و الحسد و تنفس الصعداء و سوء الحال و النكد فأين فرصة العبادة أو القلب الفارغ لها مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ و عن ابى عبد اللّٰه عليه السلم انما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للاخرة. و ادراك حلاوتها كما سبق في التوبة و عنه (الكافي) (عليه السلام) انه حرام على قلوبكم ان تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا و قال قال رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) لا يجد الرجل حلاوة الايمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا. و قال عيسى عليه السلم بحق أقول لكم كما ينظر المريض الى الطعام فلا يلتذ به من شدة المرض كذلك صاحب الدنيا