التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٥٣ - باب الفقر
ذوي النفوس القوية الموقنة المطمئنة المتخلقة بأخلاق اللّٰه فهو حقيق بأن يسمى استغناء إذ لا يعرف له اسم مخصوص في الشرع و صاحبه مستغنيا فإنه قريب من الغنى المطلق لاستغنائه عن حصول المال و بقائه و ذهابه و عدم تأذيه بشيء منها و انما اختير له اسم الاستغناء دون الغنى تأديا لاختصاص مطلقه حقيقة به تعالى كما نبه عليه الحصر المتقدم و شيوع إطلاقه العرفي على اليسار فيسمى الموسر غنيا مع انه أكثر الناس حاجة و في تغيير الأسلوب إيماء إلى مغايرة حال الاستغناء للأحوال الخمسة السابقة من حيث اندراجها تحت الفقر و صحة إطلاق اسم الفقير على ذويها بخلافه فإن تسمية المستغنى فقير الا وجه له بالمعنى المذكور بل ان سمى فقيرا فبمعنى آخر و هو معرفته بكونه محتاجا الى اللّٰه في جميع أموره عامة و في بقاء استغنائه عن المال خاصة فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه بالعبودية و أقر بها فإنه أحق بإطلاق اسم العبد من الغافلين و ان كان الاسم عاما للخلق و اسم الفقر مشترك بين المعنيين و الأخير هو المراد بما ورد في فضل الفقر من قوله (صلى اللّه عليه و آله) الفقر فخرى و به افتخر على سائر الأنبياء.
فإن اتصاله بالحضرة الربوبية لما كان أتم كانت معرفته بعبوديته و إقراره بها اوفى و أكمل و كذا ما ورد في فضل المسكنة المرادف أو المقارب له في إطلاقاته من قوله (صلى اللّه عليه و آله) اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين. و اما الفقر المذموم و المستعاذ منه في قوله (صلى اللّه عليه و آله) كاد الفقر ان يكون كفرا. و الفقر سواد الوجه في الدارين و اللهم أعوذ بك من الفقر. فمحمول على معنى الاضطرار فلا منافاة هذا ما قرره أبو حامد و غيره في الجميع و يمكن ان يخص الممدوح ببعض أحواله المحمودة كالزهد و الرضا و هو خير من الاشتراك أو يراد بالممدوح معناه العرفي أعني فقد المال و بالمذموم ما يلزمه غالبا من اضطراب النفس و ضعف التوكل. و قد أطلق عليه الفقر في بعض الروايات ففي معاني الأخبار فيما سال على بن ابى طالب ابنه الحسن (عليهما السلام) انه قال له ما الفقر قال الحرص و الشره. و في بعضها خص المذموم بوجه آخر ففي الصحيح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال الفقر الموت الأحمر فقيل الفقر من الدنانير و الدراهم قال لا و لكن من الدين. و اختلف الانظار في ترجيح الراجح من الفقر و الغنى و القول الفصل فيه ان ما لا يراد لعينه بل يراد لغيره ينبغي ان يضاف الى مقصوده إذ به يظهر فضيلته و الدنيا ليست محذورة لعينها بل لكون الاشتغال بها عائقا عن الوصول الى اللّٰه و لا الفقر مطلوب لعينه بل لان فيه فقد العائق و عدم الشاغل عنه تعالى و كما ان الغنى قد يكون