التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٥٦ - باب الفقر
أكبر من نفعه و قد تقدمت الإشارة في نظيره مما سلف الى ان من أسرار الشريعة المقدسة ان كل ما يقوى اليه المحرك الطبيعي و تكثر فيه الرغبة النفسانية و يكون الإفراط فيه مفسدة تتوارد الأوامر الشرعية بخلافه ليكون الباعث النفساني معارضا بالمانع الشرعي فيتقاومان و يحصل الاعتدال المطلوب نظير ما ورد في فضل الجوع و الأمر به كما يأتي فإن ذلك كله راجع بالحقيقة إلى النهي عن الامتلاء و التخمة لا أمر بالكف عن تناول المرزق المباح بقدر ما يحفظ البدن عن الانتهاك و يتقوى به على العبادة و التردد في الكسب و قضاء حوائج المؤمنين و كذا ما ورد في فضل الصمت فإنه نهى عن الهذر لا أمر بإهمال القوة الناطقة التي بها يمتاز عن الحيوانات العجم و لقد أحسن و أجاد من قال ان مثل المال مثل حية فيها سم و ترياق فسمها آفاتها المذكورة و ترياقها فوائدها الدنيوية و الدينية كالخلاص عن مهانة السؤال و ذل النفس و اكتساب العز و المجد بين الخلق و كثرة الأعوان و الاخوان و الوقار و الكرامة في القلوب و المروة و صيانة العرض و الاقتدار على الخيرات زيادة على ما يوجب الثواب لترك الدنيا كالحج و بناء المساجد و المرابط و نحوها من الأوقاف المستجلبة لدعوات الصالحين في أزمنة متمادية و من ثم سمى اللّٰه المال خيرا في عدة مواضع من القرآن و عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) نعم المال الصالح. للرجل الصالح. و مما يشهد لما ذكرناه احتجاج (الكافي) ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) على الصوفية لما دخلوا عليه قال ثم علم اللّٰه نبيه كيف ينفق و ذلك انه كانت عنده (صلى اللّه عليه و آله) أوقية (١) من الذهب فكره ان تبيت عنده فتصدق بها فأصبح و جاءه سائل و ليس عنده ما يعطيه فلأمه السائل و اغتم هو و كان رحيما رفيقا فأدب اللّٰه نبيه بأمره فقال وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً يقول ان الناس قد يسألونك و لا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال قال ثم من علمتم من بعده في فضله و زهده سلمان الفارسي رضى اللّٰه عنه و أبو ذر رحمة اللّٰه عليه فاما سلمان فكان إذا أخذ عطائه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل فقيل له يا با عبد اللّٰه أنت في زهدك تصنع هذا و أنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا فكان جوابه ان قال ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم على الفناء اما علمتم يا جهله ان النفس قد تلتاث (٢) على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت و اما أبو ذر فكانت له نويقات و شويهات يحلبها و يذبح منها إذا
(١) الأوقية وزن أربعين درهما
(٢) تضعف