الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣٣٤ - الدوران بين الأقلّ و الأكثر
نعم، إذا أمكن التبعّض في التنجّز في تكليف واحد- فيكون منجّزا في بعض متعلّقه و هو في المقام الأقلّ، و غير منجّز في البعض الآخر و هو الأكثر- صحّ أن يقال: إنّ التكليف بالنسبة إلى الأقلّ منجّز على كلّ حال، فيرجع الشكّ بالنسبة إلى الزائد مشكوكا يرجع فيه إلى البراءة، فيكون ترك الأكثر الحاصل بترك الأقلّ ممّا يعاقب عليه لو كان هو الواجب و تركه الحاصل بترك الزائد المشكوك ممّا يعذّر فيه.
لكن التبعّض في التنجّز غير معقول؛ فإنّ تكليفا واحدا لا يتّصف بصفتين متقابلتين، فإن تنجّز، تنجّز في تمام متعلّقه، أو لم يتنجّز لم يتنجّز في تمام متعلّقه. فكون الأقلّ متيقّن الوجوب على كلّ حال معناه كون احتمال وجوب الأكثر احتمالا لتكليف منجّز، و احتمال التكليف المنجّز ممّا يجب فيه الاحتياط؛ فإنّ معنى احتمال تكليف منجّز هو عدم المؤمّن من العقاب في مورد لو كان التكليف موجودا، و إلّا قطع بعدم التكليف المنجّز.
لكنّ الحقّ مع ذلك جريان البراءة عن الأكثر، لكن لا من مسلك الانحلال، بل من وجه آخر.
و حاصله: أنّ احتمال التكليف في جانب الأقلّ احتمال لتكليف منجّز تمّ بيانه، و قامت عليه حجّته حتّى انقطع بذلك حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان، و كلّ ما كان احتمال التكليف احتمالا لتكليف كذائي وجب فيه الاحتياط. أمّا الكبرى فبديهيّة، و لذا وجب الاحتياط في الشبهات قبل الفحص، و أمّا الصغرى فلأنّ ما هو ملزوم به المولى هو أن يبيّن تكليفه بمتعلّقه، و ليس عليه أن يبيّن أنّه هو تمام المتعلّق، و إنّما عليه أن يبيّن و يعطي ذات تمام المتعلّق.
و في المقام لو كان الواجب هو الأقلّ لم يكن في بيانه قصور و فتور، بل بيّن بتمام البيان.
نعم، لم يبيّن أنّ الأقلّ هو تمام المتعلّق، فبقي احتمال كونه جزء المتعلّق، و هذا البيان أيضا غير ملزوم به المولى حتّى لو لم يبيّن فعاقب على المخالفة لزم منه القبح. هذا حال احتمال التكليف في جانب الأقلّ.
و أمّا احتماله في جانب الأكثر فاحتمال التكليف لم يتمّ بيانه و لم يقم عليه برهانه، و كلّ ما دار الأمر في المعلوم بالإجمال بين طرفين لا مساغ في أحدهما للبراءة جرت البراءة في الطرف الآخر بلا معارض.