الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٤٤٥ - المقام الثالث في ذكر أخبار الترجيح
فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه» [١].
و بهذا الحديث يحصل الجمع بين الطائفتين من الأخبار، فيقيّد أخبار الترجيح بمخالفة العامّة بصورة عدم وجود المرجّح الكتابي.
ثمّ إذا أخذنا الترجيح بالشهرة من مقبولة عمر بن حنظلة كانت المرجّحات ثلاثا.
و لا يبعد تقديم الترجيح بها على الترجيح بهذين قضاء النفي الريب عن المجمع عليه، فكأنّه لا تعارض، بل هذا هو الواقع الذي لا ريب فيه.
أقول: الذي يظهر من رواية الحسن بن الجهم- عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، فقال: «ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه تعالى و أحاديثنا، فإن كان يشبهها فهو منّا، و إن لم يكن يشبهها فليس منّا» قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين، و لا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال: «فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت» [٢].
إنّ أخبار الترجيح لتعيين الحجّة عن اللاحجّة في موضوع عدم وثاقة الراوي، فتكون موافقة الكتاب أحد الجهات الموجبة لحجّيّة الرواية، و الجهة الاخرى مخالفة العامّة. و قد ورد الأمر في رواية ابن أسباط في مورد عدم المفتي من الشيعة بإتيان فقيه البلد و استفتائه ثمّ الأخذ بخلاف ما أفتى به [٣]. و الجهة الثالثة وثاقة الراوي.
ففي مادّة التعارض إن كانت الحجّيّة بإحدى الجهتين الأوليين لم يكن إشكال؛ فإنّه يأخذ الحجّة و يترك اللاحجّة، و إن كانت بالجهة الثالثة و كانت تلك الجهة مشتركة في الروايتين كان الحكم هو التخيير، و قد تقدّم تفسير التخيير. و على ذلك كان الحكم في مادّة التعارض المبحوث عنه الذي هو مع وثاقة الراوي هو التخيير مطلقا بما قدّمناه من التفسير.
اعلم أنّه ورد في بعض الأحاديث الأمر بأحدث الروايتين صدورا في مورد التعارض، بل هذا هو مقتضى القاعدة من غير حاجة إلى ورود التعبّد به كما فهمه الراوي أيضا في روايته [٤]، لكن لم أجد من أفتى به، بل استظهر صاحب الوسائل من الأخبار اختصاص هذا
[١]. وسائل الشيعة ٢٧: ١١٨ أبواب صفات القاضي ب ٩، ح ٢٩.
[٢]. الاحتجاج: ٣٥٧؛ وسائل الشيعة ٢٧: ١٢١ أبواب صفات القاضي، ب ٩، ح ٤٠.
[٣]. وسائل الشيعة ٢٧: ١١٥ أبواب صفات القاضي، ب ٩، ح ٢٣.
[٤]. الكافي ١: ٥٣/ ٨؛ وسائل الشيعة ٢٧: ١٠٩ أبواب صفات القاضي، ب ٩، ح ٧.