الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٤٠٠ - التنبيه الخامس استصحاب أحكام الشرائع السابقة
و دعوى توجّه التكاليف إلى كلّي البالغ العاقل لا خصوص الأشخاص الموجودين في عصر اليقين كدعوى توجّه التكاليف إلى الأفراد البالغين العاقلين لكن بالأعمّ من الأفراد المحقّقة و المقدّرة باطلة عاطلة؛ فإنّ التكليف لا يعقل إلّا بخصوص الأفراد الموجودة فعلا لا يتخطّاها خطوة، و إلّا لزم تكليف المعدوم. نعم، عموم الإنشاء و شمولاه للموجود و المعدوم ممّا لا بأس به، لكن فرض وجود مثل هذا الإنشاء يخرج المورد عن محلّ البحث؛ إذ لا إنشاء كذائي، و إلّا لم يكن مجال للاستصحاب.
و الحقّ أنّ جريان الاستصحاب في المقام مبنيّ على حجّيّة الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي؛ فإنّ جنس التكليف الموجود في ضمن تكليف أشخاص موجودين في عصر سابق يشكّ في ارتفاعه بانقراض عصرهم و بقائه على سبيل تبادل الأفراد في ضمن تكليف أشخاص آخرين، فيستصحب جنس التكليف. و معنى استصحاب جنس التكليف إنشاء تكليف ظاهري بعنوان البالغ العاقل، فيكون المنشأ شخصيّا من التكليف شخصا ظاهريّا يجب عقلا امتثاله.
الثاني: أنّ أحكام الشرائع السابقة مقطوعة الارتفاع بالنسخ بالقطع التفصيلي أو الإجمالي المانع عن جريان الاستصحاب في الأطراف، فلا شكّ بدوي في بقائها لكي يستصحب.
و فيه: منع العلم التفصيلي بالنسخ؛ لأنّ هذه الشريعة- بل كلّ شريعة- ليست ناسخة لجميع أحكام الشرائع السابقة، و أمّا العلم الإجمالي فهو لا يضرّ بجريان الاستصحاب في أمثال المقام ممّا لا يجري الأصل في بعض الأطراف؛ فإنّ ما علم من الأحكام من صاحب هذا الشرع لا يجري فيه أصالة عدم النسخ؛ لوجوب العمل على طبقه كائنا ما كان، فيبقى الأصل في الموارد الخالية عن النصّ من صاحب هذا الشرع بلا معارض حيث لا علم إجمالي في أطرافها.
هذا كلّه في أصالة عدم النسخ بمعنى استصحاب الحكم الثابت أوّلا، و أمّا أصالة عدم النسخ بمعنى التمسّك بإطلاق خطاب التكليف عند الشكّ في النسخ فهو سليم عن إشكال عدم اليقين بالتكليف، بناء على عموم الخطاب للمعدومين، أو ثبوت حكمه لهم بدليل الاشتراك.