الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣٩٣ - التنبيه الثالث الاستصحاب في الأمور التدريجيّة
و قد يكون مع الجهل بمقدار اقتضاء الجسم للحركة، فإن قلنا بالتعميم في اعتبار الاستصحاب بين الشكّ في المقتضي و الرافع جرى الاستصحاب في القسمين، و إلّا اختصّ الاستصحاب بما إذا علم مقدار اقتضاء الجسم للحركة.
و اعلم أنّ القول بالاستصحاب في الأمور التدريجيّة إنّما يجري فيما إذا شكّ في الحركة مع اتّحاد معروض الحركة- أعني الجسم المتحرّك- كما في حركة الفلك، أو حركة زيد، أو جريان ذلك الجزء من الماء الذي علم بجريانه أوّلا إذا شكّ في ركوده.
و أمّا إذا شكّ في جريان جزء آخر كما في جريان الماء من الساقية و سيلان دم الحيض فاستصحاب الجريان و السيلان موقوف على توسّع آخر وراء ما توسّع في استصحاب الأمر التدريجي بأن يدّعى أنّ مجموع الماء و الدم الآخذين بالجريان و السيلان موضوع واحد في نظر العرف ما لم يحصل الفصل بين أجزائه، و جريانه جريان واحد، فيستصحب هذا الجريان إذا قطع بحصوله و شكّ في نفاده و إن كان المقطوع بحسب الدقّة جريان جزء و المشكوك جريان جزء آخر.
أو يقال- نظير ما قلناه في تقرير الاستصحاب في نفس الحركة مع اتّحاد معروض الحركة-:. إنّ الماء الجاري كان في الساقية و الدم السائل كان في فضاء الفرج و الآن كما كان، فيكون حدوثه بوجود فرد من هذا الكلّي و استمراره بوجود فرد آخر، فيكون نفس الحركة و معروض الحركة كلاهما متبدّلان بفرد آخر كما كان المتبدّل في أصل المسألة نفس الحركة مع اتّحاد معروضها، فيبتني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث.
ثمّ إنّ هذا القسم أيضا ينقسم إلى الشكّ في المقتضي و الرافع؛ فإنّ كمّيّة الماء الاخذ في الجريان من المنبع قد يكون معلوما و قد شكّ في نفاده، و قد يكون مجهولا و لأجله شكّ في بقاء الجريان، فيبتني جريان الاستصحاب في القسمين على التعميم في الاستصحاب بين الشكّ في المقتضي و الرافع.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ وحدة الحركة الاختياريّة و تعدّدها ليس بوحدة الداعي و تعدّده بل بالاتّصال العرفي بين أجزاء تلك الحركة و عدمه، فالمتّصل في الخارج- و لو كان كلّ جزء بداع غير داعي الآخر- واحد و المنفصل- و لو كان المجموع بداع واحد- متعدّد. و عليه فإذا علم صدور الحركة بداعي كذا ثمّ احتمل استمرارها بداع آخر كان استصحابها من قبيل