الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣٦٢ - استصحاب حكم الشرع المستند إلى حكم العقل
لا يستصحب الحكم الشرعي. و أمّا حكم العقل فهو مقطوع الارتفاع؛ لأنّ المفروض أنّه متوقّف عن الحكم، و لو فرض الشكّ لم يكن لاستصحابه أثر. نعم، لا بأس باستصحاب موضوع حكم العقل إن كملت شرائط الاستصحاب.
توضيح المقام أنّ للعقل حكمين:
كبروي و هو حكمه بحسن الإحسان و قبح الظلم، و هذا الحكم منحصر في هذين الاثنين، و هو مفاد الكريمة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ... وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ [١] و كلّ ما سوى ذلك من أحكامه فهو مندرج تحت هذين و بملاك الإحسان و الظلم.
و صغروي و هو حكمه في الموضوعات الجزئيّة، و حكمه هذا نتيجة اجتماع مقدّمتين:
إحداهما: حكمه الكبروي المتقدّم.
و الاخرى: تحقّق صغرى ما حكم عليه في الخارج.
فيقول: هذا إحسان، و كلّ إحسان حسن، فهذا حسن، أو هذا ظلم، و كلّ ظلم قبيح، فهذا قبيح. و في أثر حكمه هذا يحرّك نحو العمل، كما أنّ الملازم لحكم الشرع و المستكشف منه حكمه هو حكمه الأوّل. و العقل لا يشكّ في حكمه هذا، و إنّما يشكّ في تحقّق موضوعه في الخارج، و بمجرّد الشكّ يتوقّف عن حكمه. و بالنتيجة لا يكون شاكّا في حكمه الصغروي أيضا، بل بمجرّد الشكّ في تحقّق موضوع حكمه الكلّي يتوقّف عن الحكم صغرويّا، و لا يكون حاكما جزما، فالشكّ ليس إلّا في تحقّق موضوع حكم العقل، و يلزمه الشكّ في تحقّق موضوع حكم الشارع، و معه لا يجوز الاستصحاب.
و ليس المقام مقام المسامحة و الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع؛ لأنّ ذلك فيما لم يعلم الموضوع بالدقّة، و فيما نحن فيه علم ذلك بالدقّة؛ لأنّ حكم الشرع متلقّى من لسان العقل، و العقل يعطي الحكم بتمام ما هو الدخيل من قيود موضوعه، فلا قيد هناك يحتمل عدم دخله، بل كلّ القيود دخيل، و كلّ ما ارتفع شيء فقد ارتفع الموضوع و لم يجر الاستصحاب.
نعم، استصحاب استمرار الموضوع لا بأس به. و هذا الذي قلناه جار في الأدلّة السمعيّة
[١]. النحل (١٦): ٩٠.