الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣٠٥ - السنّة
لدينك» [١]، و قوله (عليه السلام): «لا يسعكم فيما نزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه و التثبّت، و الردّ إلى أئمّة الهدى (عليهم السلام) حتّى يحملوكم فيه على القصد، و يجلوا عنكم فيه العمى، و يعرّفوكم فيه الحقّ، قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [٢]» [٣].
و نوقش في الطائفة الأولى: بأنّ التعليل بثبوت العقاب يخصّص الحكم فيها- و هو وجوب الاحتياط- بمورد ثبوت العقاب من الشبهات ثبوتا غير مستند إلى إيجاب الاحتياط- أعني الشبهات قبل الفحص و الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي ثبوتا-؛ و ذلك أنّ إيجاب الاحتياط في هذه الأخبار معلول ثبوت العقاب، و في مرتبة لا حقة له، فلا يكون علّته و في مرتبة سابقة عليه. و الخصم أوجب الاحتياط بهذه الأخبار معترفا بعدم وجوبه لولاه، فكان المنجّز للتكليف هو هذه الأخبار. و التعليل يعطي أنّ هذه الأخبار واردة مورد التنجّز بسبب سابق لا أنّ به التنجّز.
و يمكن دفع المناقشة: بأنّ تنجيز التكليف الذي به يصحّ العقاب من المولى، تارة يكون بخطاب التكليف إمّا تكليفا أصليّا كخطاب «صلّ» و «صم» أو تكليفا تبعيّا كخطاب «احتط»، و أخرى يكون بالوعيد على العقاب و عيدا ساذجا مثل: «إن لم تفعل كذا ضربتك أو أحرقتك» أو «إن خالفت التكاليف الموجودة في الشبهات عاقبتك».
و ثالثة: يكون بمجموع الأمرين، فينشأ الطلب إمّا أصليّا أو احتياطيّا مقترنا بضرب العقاب، أو معلّلا له بذلك- كما في المقام- و يكون الغرض من ذلك التنبيه على ثبوت العقاب. و مثاله من الأمور العادية أن يقال: «ترك الربح أولى من ركوب الأهوال و الاقتحام في الهلكات» قاصدا التنبيه على أنّ المسافرة فيها ذلك، و أنّها مظنّة الهلكة بلا سبق علم من المخاطب بذلك. و على ذلك فلا مانع من الأخذ بعموم الشبهات للشبهات البدويّة، و حمل التعليل على أنّه بيان للوعيد بهذه العبارة.
و أمّا تخصيص أخبار الاحتياط بأخبار البراءة، أو حملها على الاستحباب، أو إنكار دلالتها على أزيد من الرجحان المطلق، أو أنّها للإرشاد فكلّه خال عن السداد؛ فإنّ بعض
[١]. أمالي الطوسي: ١٠٩؛ وسائل الشيعة ٢٧: ١٦٧ أبواب صفات القاضي، ب ١٢، ح ٤٦.
[٢]. النحل (١٦): ٤٣؛ الأنبياء (٢١): ٧.
[٣]. الكافي ١: ٤٠/ ١٠؛ وسائل الشيعة ٢٧: ١٥٥ أبواب صفات القاضي، ب ١٢، ح ٣.