الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٣٠٢ - حكم العقل بالبراءة
التكليف انتهاء طلب المولى إلى حكم العقل بالإطاعة، فإن كان صحّ العقاب و إلّا فلا، فصحّة العقاب منوط دائما بإلزام من العقل بالفعل في مرتبة سابقة مع قطع النظر عن ثبوت العقاب.
فاللازم على المستدلّ قصر حكم العقل ذلك، فيحصل القصر في استحقاق العقاب قهرا.
و لا يبعد أن يقال بالقصر المذكور، و أنّ حكم العقل بالإطاعة مقصور بصورة العلم بالتكليف، فالعلم موضوع في حكم العقل بالإطاعة، لا أنّه طريقي و يكون موضوعه التكليف الواقعي، ليجب الاحتياط في مفروض الشكّ.
هذا على مذاق القوم، و أمّا على مشربنا فالتكليف بحقيقته متقوّم بالعلم، و لا تكليف جزما حيث لا علم، فموضوع الشكّ في التكليف لا يكون ليتكلّم في حكمه.
و من هذا ظهر أن ليس للأخباري أن يتمسّك بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل أو المظنون- حيث كان التكليف مظنونا-؛ فإنّ ضرر العقاب مترتّب على حكم العقل و إلزامه بالاحتياط، فكيف يرتّب عليه حكم العقل و إلزامه بالاحتياط؟!
فاللازم لمن يدّعي حكم العقل بالاحتياط ألا يسند ذلك إلى احتمال العقاب، بل يدّعي حكما ساذجا من العقل بالإطاعة الاحتماليّة كما يحكم بالإطاعة القطعيّة، فيفتح بذلك باب احتمال العقاب.
و أمّا الضرر الدنيوي فهو منوط بأن تكون الأحكام منبعثة من مناطات في متعلّق، ثمّ لم تكن في ارتكاب محتمل الضرر أو مظنونه ما يسوّغه؛ فإنّ العقل يقتحم في مظانّ الهلكات؛ لاحتمال نفع اجل، بل يقدم على الضرر القطعي لدفع ضرر آخر أقوى، أو لجلب نفع مهمّ. بل لو كان ضرر التكليف ضررا نفسيّا- كقساوة القلب و كدورة النفس مع نفع له في البدن كشرب الخمر- ربما لا يوجب العقل في التحرّز عن مقطوعه فضلا عن محتمله.
و ربما يقال: إنّ مناط التكاليف هي المصالح و المفاسد، و المفاسد غير المضارّ، و الذي يجب دفع محتمله أو مظنونه هو المضارّ.
و فيه: أنّ كلّ فساد فهو ضرر، و لا نعقل فسادا لا يكون وجوده ضررا، و كأنّ هذا القائل قصر الضرر بما كان نقصا في النفس و الطرف و المال، و أخرج نقص الجاه و الإخلال بالحيثيّات الاعتباريّة عن ذلك، و أدخله في الفساد، مع أنّ الضرر فيهما ربما يكون أشدّ من ضرر النفس فضلا عن ضرر المال، فربما يستحي الشخص ببذل النفس و لا يستحي ببذل