الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٩٥ - فمن الكتاب آيات
و ثانيا: أنّ مضامين الآيات ممّا لا ينكر، و الخصم يدّعي ثبوت البيان بأخبار الاحتياط.
و يمكن الذبّ عن الأوّل بأنّ مساق الآيات نفي الاستحقاق، و أنّ التعذيب قبل بعث الرسول ليس من شأن اللّه تعالى، فلو لا أنّه قبيح لم لم يكن من شأنه؟!
و عن الثاني بأنّ ظاهر الآيات عدم ترتّب تبعات التكليف ما لم يبيّن التكليف بعنوانه الخاصّ، لا بكلّ عنوان ليشمل تبليغا بعنوان الاحتياط، و إلّا لم تكن منّة في ذلك، و لم يختصّ به تعالى.
فالأولى تبديل الجوابين بجوابين آخرين:
الأوّل: أنّ مفاد الآيات هو البراءة قبل ورود الشرع لا بعده و اختفاء الأحكام. فهي دليل أصالة الإباحة في الأشياء مقابل أصالة الحظر، لا دليل أصالة البراءة مقابل أصالة الاحتياط.
الثاني: أنّ الآيات إنّما دلّت على عدم تعذيب الأمم السابقة على إنكارهم لأصول الديانات قبل بعث الرسول إتمام الحجّة، و أين ذلك من شراعنا، و بالنسبة إلى الفروع؟! و لم تثبت الفحوى، و لا اتّحاد المناط. و لو سلّم عمومها لشراعنا كان الاختصاص بالأصول على حال، إلّا أن يمنع هذا الاختصاص أيضا.
بل لا يبعد دعوى اختصاص الآية الأخيرة بالفروع بقرينة قوله تعالى: حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [١] سيّما و في رواية: «حتّى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه» [٢] فتشمل الشبهات الوجوبيّة أيضا. و يكون محصّل الآية أن ليس فعل شيء ضلالة و خروجا من الشرع إلّا بعد بيان الأوامر و النواهي، و هذا معنى أصالة الحلّ و الإباحة.
و منها: قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [٣] و قوله تعالى: ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [٤].
و تقريب الاستدلال بها: أنّ التعبير بعدم الوجدان كاشف عن أنّ مناط الحكم بالإباحة هو
[١]. التوبة (٩): ١١٥.
[٢]. الكافي ١: ١٦٣/ ٥؛ بحار الأنوار ٥: ٣٠١/ ٧.
[٣]. الأنعام (٦): ١٤٥.
[٤]. الأنعام (٦): ١١٩.