الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٩١ - مجرى الأصول العمليّة
حقيقي إلى مراد تبعي منبعث من مراد أصلي صيانة عليه و حفظا له، فأمر «احفظ» لا يقصر و لا يفتر عن أمر «صلّ» و «صم» لا بمقام واقعه و لا بمقام بعثه، و المكلّف لمكان هذا البعث ألزم بالفعل إلّا أن يتفحّص و يخرج نفسه عن موضوع «احفظ»، و أمّا قبله فلا محيص له من الاحتياط.
إن قيل: كيف يعقل اعتبار العلم بالبعث في هويّة التكليف؟ و هل يعقل اعتبار العلم بالشيء في قوام ذات ذلك الشيء؟
نقول: ما هو المعتبر في التكليف هو العلم بالبعث دون نفس التكليف ليكون من أخذ العلم بشيء في حقيقة ذلك الشيء.
و لا يدفع ما ذكرناه بأنّ البعث الصوري لا يكون بعثا ما لم يكن مترشّحا من إرادة واقعيّة بالفعل، فأخذ العلم بالبعث في حقيقة التكليف أخذ للعلم بالتكليف في حقيقة التكليف و ما له إليه، و هو باطل، و ذلك أنّ نفس الإرادة البعثيّة و البعث الصوري- و إن لم يكن متنزّلا من إرادة واقعيّة- موضوع لحكم العقل ب «أطع» لكن بشرط أن يكون الفعل بما أنّه إنفاذ لكلمة المولى و إجراء لبعثه مرادا له، و إن لم يكن بعنوانه الواقعي مرادا له.
نعم، فيما لا هذا و لا ذاك- كما في إنشاء الطلب سخريّة و مستهزئا- لا يلزم العقل بالفعل.
فحكم العقل ب «أطع» يعمّ ما إذا كان البعث متنزّلا من إرادة واقعيّة متعلّقة بالفعل بعنوانه الواقعي و كان البعث مقدّميّا لحفظ المراد الواقعي، و ما إذا كان البعث موضوعيّا و نتيجة البعث- أعني انبعاث العبد من إنشائه- مرادا له بأن تكون المصلحة في أن يأمر و ذاك يفعل، بل لغرض له في نفس الفعل، بل الغرض كان قائما في إنفاذ قوله و هذا العنوان كان مرادا له، فحينئذ أيضا يحكم العقل بالانبعاث، و تمشيته لكلمة المولى و إنفاذا لقوله و تحصيلا لغرضه.
هذا، و حسب ما ذكرناه يكون مال اعتبار العلم بالتكليف إلى اعتبار القدرة فيه، لا أنّه شرط برأسه و راجع إلى مقام التنجّز؛ فإنّ المراد هو الفعل الصادر بداعي البعث و عن علم بالبعث، و هذا غير مقدور؛ حيث لا علم، فحيث لا علم لا تكليف. و قد تفطّن إلى ما ذكرناه السيّد أبو المكارم بن زهرة فقال: «التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق» [١].
[١]. غنية النزوع «ضمن الجوامع الفقهية»: ٤٦٤.