الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٥٤ - المقام الثالث في حجّيّة ظواهر القرآن
و الرأي ما كان من عند نفسه بمقدّمات ذوقيّة نظريّة، و حمل اللفظ على ظاهره باقتضاء من نفس اللفظ.
و هذا الكلام، و إن كان عندي محلّ نظر بكلا صفتيه- لأنّ التفسير إظهار ما خفي على الجانب المقابل و إن كان ظاهر العبارة، كما أنّ بيان المتشابه ليس تفسيرا إن كان يعرفه الجانب المقابل. و الرأي هو النظر و الاعتقاد، سواء كان منشؤه قول اللغوي: إنّ معنى هذا اللفظ كذا و الانفهام العرفي، أو كان منشؤه مناسبات ذوقيّة و أمورا اعتباريّة، و منه رأي الشخص أنّ معنى صعيد مطلق وجه الأرض، فيفسّر به آية التيمّم- لكن ليس لهذه الأخبار كثير أهميّة بعد وجود غيرها؛ فإنّ الأخبار على طوائف ثلاث:
منها: ما دلّ على المنع من العمل بالمتشابه، فتلك أجنبيّة عن المقصود.
و منها: ما دلّ على المنع عن العمل بالظاهر؛ لوقوع التصرّف فيه ممّا لا يعرفه الناس، بل يختصّ علمه بأهل البيت.
من ذلك قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) لأبي حنيفة: «أنت فقيه أهل العراق؟» قال: نعم. قال:
«فبأيّ شيء تفتيهم؟» قال: بكتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قال (عليه السلام): «يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حقّ معرفته؟ و تعرف الناسخ من المنسوخ؟» قال: نعم، قال (عليه السلام): «يا أبا حنيفة، لقد ادّعيت علما، ويلك ما جعل الله ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك و ما هو إلّا عند الخاصّ من ذريّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ما ورثك الله من كتابه حرفا» [١].
و منها: ما دلّ على المنع من العمل بالظواهر؛ لعدم المعرفة بالقرائن المتّصلة بها الصارفة لظهورها.
و منها: قوله (عليه السلام) في ذمّ المخالفين: «و احتجّوا بالآية، و تركوا السنّة في تأويلها، و لم ينظروا إلى ما يفتح به الكلام، و إلى ما يختمه، و لم يعرفوا موارده و مصادره؛ إذ لم يأخذوه عن أهله فضلّوا و أضلّوا» [٢].
و حاصل الطائفتين تعريض فقهاء العامّة على استدلالهم بالقرآن، مع عدم معرفتهم علم القرآن قرائنه المتّصلة و المنفصلة. و لمّا كان الخاصّة يشاركون العامّة في الجهل المذكور
[١]. وسائل الشيعة ٢٧: ٤٧ أبواب صفات القاضي، ب ٦، ح ٢٧.
[٢]. وسائل الشيعة ٢٧: ٢٠١ أبواب صفات القاضي، ب ١٣، ح ٦٢.