حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٦٩ - الفصل الثّاني فى بيان حقيقة الزّمان و أن لا وجود له الّا فى الأذهان
منقطعة» غير مسلّم، فانّه ما لم يكن حركة و تجدّد أمر فأمر لا يكون قبليّة و لا بعديّة. ثمّ انّ القبليّة و البعديّة من الأمور المضافة فما لم يكن أمر فأمر لا يكون قبل و بعد، و الشّيء يكون قبلا بالإضافة إلى شيء و بعدا بالإضافة إلى شيء آخر فوجودهما يكون فى الأذهان كما انّ وجود الزّمان فى الأذهان.
و قوله: «فللزّمان معرفة ثابتة فى النّفوس» صحيح فانّ تلك المعرفة حصلت لعموم الحاجة الّتي ذكرناها إليه و لكون الزّمان موجودا فى النّفوس. و امّا عدم تصوّر عدمه و انقطاعه فى معرفة الجمهور فلغلبة أحكام الوهم غير المعارض بأدلّة العقل عليهم كما غلبت علي الفلاسفة فلما وجدوا يوما بعد يوم و قبل يوم جاز أن يعتقدوا انّ ذلك لا ينقطع.
و قوله: «فمعرفته اسبق إلى الأذهان من معرفة الحركة» غير صحيح، فان الطّفل يعرف الحركة و يحسّ بها قبل أن يعرف الزّمان، نعم يحسّ ببياض النّهار و سواد اللّيل [١٢٩] و لا يعرف كونهما زمانا فإنّهما ليسا زمانا بذاتيهما لكن جعل امتدادهما فى الذّهن زمانا. ثمّ و إن كانت معرفته سابقة على معرفة الحركة لم يجب أن يكون وجوده سابقا على وجودها فإنّ الإنسان يعرف أوّلا ما هو الأقرب إليه ثمّ الأبعد فالأبعد، و لا يكون وجود الأقرب سابقا على كلّ ما هو أبعد و الّذي أثبت بفرض الاكر الثلث مركّبا لا لتقدير امتداد الحركات. فقد أثبتنا انه موجود فى الأذهان.
و قوله: «الزّمان موجود فى الأعيان لانّه يطابق الحركة الموجودة من متحرّك موجود فى مسافة» إلى قوله: «و يساوقه فى الماضى و المستقبل» قول فاسد، فانّه يطابق الامتداد الموجود فى الأذهان فقط و يتقدّر معه و يساوقه فى الماضى و المستقبل لا الحركة لانّه ليس للموجود منهما فى الأعيان مقدار حتى يطابقه و يتقدّر معه ما هو مقداره و قد سبق بيان هذا.
و قوله: «انّه مقدار الوجود لانّه يقدّر الحركة و السّكون و هما يشتركان فى الوجود» فاسد، امّا أوّلا فقد بيّنا انّه مكيال يقدّر به امتداد الحركة و امتداد السّكون الموجودين فى الذّهن، و يقدّر به امتداد كلّ ما يتوهّم له امتداد كالأعدام أيضا و ما يقدّر به الشّيء غير ذلك الشّيء. ثمّ السّكون [١٣٠] ليس امرا وجوديّا فإنّه عدم حركة ما من شأنه أن يتحرّك و إن كان