دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٧٩
يسيرا، من أين كان نظم أشرف من نظم؟ و بم عظم التفاوت، و اشتد التباين، و ترقّى الأمر إلى الإعجاز، و إلى أن يقهر أعناق الجبابرة؟ أو هاهنا أمور أخر نحيل في المزيّة عليها، و نجعل الإعجاز كان بها، فتكون تلك الحوالة لنا عذرا في ترك النظر في هذه التي معنا، و الإعراض عنها، و قلة المبالاة بها؟ أو ليس هذا التهاون، إن نظر العاقل، خيانة منه لعقله و دينه، و دخولا فيما يزرى بذي الخطر، و يغضّ من قدر ذوي القدر؟
و هل يكون أضعف رأيا، و أبعد من حسن التدبّر، منك إذ همّك أن تعرف الوجوه في:
«أ أنذرتهم»، و الإمالة في «رأى القمر» و تعرف «الصّراط» و «الزّراط»، و أشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ و جرس الصوت، و لا يمنعك إن لم تعلمه بلاغة، و لا يدفعك عن بيان، و لا يدخل عليك شكّا، و لا يغلق دونك باب معرفة، و لا يفضي بك إلى تحريف و تبديل، و إلى الخطأ في تأويل، و إلى ما يعظم فيه المعاب عليك، و يطيل لسان القادح فيك، و لا يعنيك و لا يهمّك أن تعرف ما إذا جهلته عرّضت نفسك لكل ذلك، و حصلت فيما هنالك، و كان أكثر كلامك في التفسير، و حيث تخوض في التأويل، كلام من لا يبني الشيء على أصله، و لا يأخذه من مأخذه، و من ربّما وقع في الفاحش من الخطأ الذي يبقى عاره، و تشنع آثاره. و نسأل اللّه العصمة من الزّلل، و التوفيق لما هو أقرب إلى رضاه من القول و العمل.
و اعلم أنّ من الخطأ أن يقسّم الأمر في تقديم الشيء و تأخيره قسمين: فيجعل مفيدا في بعض الكلام، و غير مفيد في بعض، و أن يعلّل تارة بالعناية، و أخرى بأنه توسعة على الشاعر و الكاتب، حتى تطّرد لهذا قوافيه و لذاك سجعه. ذاك لأنّ من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة و لا يدل أخرى. فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام، أنه قد اختصّ بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء و كلّ حال. و من سبيل من يجعل التقديم و ترك التقديم سواء، أن يدّعي أنه كذلك في عموم الأحوال، فأمّا أن يجعله شريجين، فيزعم أنه للفائدة في بعضها، و للتصرف في اللفظ من غير معنى في بعض، فمما ينبغي أن يرغب عن القول به.
و هذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التّفرقة بين تقديم ما قدّم فيها و ترك تقديمه.
و من أبين شيء في ذلك «الاستفهام بالهمزة»، فإن موضع الكلام على أنك إذا
[١] قوله (و لا يعنيك) معطوف على قوله: (إذا همك).
دلائل الإعجاز في علم المعاني، ص: ٨٠
قلت: «أفعلت؟»، فبدأت بالفعل، كان الشكّ في الفعل نفسه، و كان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده.
و إذا قلت: «أ أنت فعلت؟»، فبدأت بالاسم، كان الشكّ في الفاعل من هو، و كان التردّد فيه. و مثال ذلك أنك تقول: «أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟»، «أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟»، و «أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟»، تبدأ في هذه و نحوه بالفعل، لأن السؤال عن الفعل نفسه و الشكّ فيه، لأنك في جميع ذلك متردّد في وجود الفعل و انتفائه، مجوّز أن يكون قد كان، و أن يكون لم يكن.
و تقول: «أ أنت بنيت هذه الدار؟»، «أ أنت قلت هذا الشعر؟»، «أ أنت كتبت هذا الكتاب؟»، فتبدأ في ذلك كله بالاسم، ذاك لأنّك لم تشكّ في الفعل أنه كان.
كيف؟ و قد أشرت إلى الدار مبنية، و الشعر مقولا، و الكتاب مكتوبا، و إنما شككت في الفاعل من هو؟.
فهذا من الفرق لا يدفعه دافع، و لا يشكّ فيه شاك، و لا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر.
فلو قلت: «أ أنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟»، «أ أنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟»، «أ أنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟»، خرجت من كلام الناس. و كذلك لو قلت: «أبنيت هذه الدار؟»، «أقلت هذا الشعر؟»، «أ كتبت هذا الكتاب؟»، قلت ما ليس بقول. ذاك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد الذي هو نصب عينيك أ موجود أم لا؟
و ممّا يعلم به ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاسم أنّك تقول:
«أقلت شعرا قطّ؟»، «أ رأيت اليوم إنسانا؟»، فيكون كلاما مستقيما. و لو قلت:
«أ أنت قلت شعرا قط؟»، «أ أنت رأيت إنسانا»، أحلت، و ذاك أنه لا معنى للسؤال عن الفاعل من هو في مثل هذا، لأن ذلك إنما يتصوّر إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص نحو أن تقول: «من قال هذا الشعر؟»، و «من بنى هذه الدار؟» و «من أتاك اليوم؟»، و «من أذن لك في الذي فعلت؟»، و ما أشبه ذلك ممّا يمكن أن ينصّ فيه على معيّن. فأمّا قيل شعر على الجملة، و رؤية إنسان على الإطلاق، فمحال ذلك فيه، لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله.
و لو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ذكرنا، من أن يكون السؤال عن الفاعل من