دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٤٩
حدة، و هو ما لا يعقل، إذ لا يتصوّر في «زيد» من قولك» «ضربت زيدا»، أن يكون شيئا برأسه، حتى تكون بتعديتك «ضربت» إليه قد ضممت فائدة إلى أخرى. و إذا كان ذلك كذلك، وجب أن يعلم أن الحقيقة في هذا: أن الكلام يخرج بذكر «المفعول» إلى معنى غير الذي كان، و أن وزان الفعل قد عدّي إلى مفعول معه، و قد أطلق فلم يقصد به إلى مفعول دون مفعول، وزان الاسم المخصص بالصّفة مع الاسم المتروك على شياعه، كقولك: «جاءني رجل ظريف»، مع قولك: «جاءني رجل»، في أنك لست في ذلك كمن يضم معنى إلى معنى و فائدة إلى فائدة، و لكن كمن يريد هاهنا شيئا و هناك شيئا آخر. فإذا قلت: «ضربت زيدا»، كان المعنى غيره إذا قلت: «ضربت» و لم تزد «زيدا».
و هكذا يكون الأمر أبدا، كلّما زدت شيئا، وجدت المعنى قد صار غير الذي كان. و من أجل ذلك صلح المجازاة بالفعل الواحد، إذا أتي به مطلقا في الشّرط، و معدى إلى شيء في الجزاء، كقوله تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [الإسراء: ٧]، و قوله عز و جل: وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء: ١٣٠]، مع العلم بأن الشرط ينبغي أن يكون غير الجزاء، من حيث كان الشرط سببا و الجزاء مسبّبا، و أنه محال أن يكون الشيء سببا لنفسه. فلو لا أنّ المعنى في «أحسنتم» الثانية، غير المعنى في الأولى، و أنها في حكم فعل ثان، لما ساغ ذلك، كما لا يسوغ أن تقول: «إن قمت قمت، و إن خرجت خرجت»، و مثله من الكلام قوله: «المرء بأصغريه، إن قال قال ببيان، و إن صال صال بجنان»، و يجري ذلك في الفعلين قد عدّيا جميعا، إلّا أن الثاني منهما قد تعدّى إلى شيء زائد على ما تعدّى إليه الأوّل، و مثاله قولك: «إن أتاك زيد أتاك لحاجة»، و هو أصل كبير. و الأدلّة على ذلك كثيرة، و من أولاها بأن يحفظ: أنك ترى البيت قد استحسنه الناس و قضوا لقائله بالفضل فيه، و بأن الذي غاص على معناه بفكره، و أنه أبو عذره، ثم لا ترى ذلك الحسن و تلك الغرابة كانا، إلّا لما بناه على الجملة دون نفس الجملة. و مثال ذلك قول الفرزدق:
[من الطويل]
و ما حملت أمّ امرئ في ضلوعها
أعقّ من الجاني عليها هجائيا