دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٤٣
الفائدة و قد أعطاها، و يوهمك أن لم يزدك و قد أحسن الزيادة و وفّاها. و لهذه النّكتة كان التجنيس، و خصوصا المستوفى منه، مثل «نجا» و «نجا»، من حليّ الشّعر.
و القول فيما يحسن و فيما لا يحسن من التجنيس و السجع يطول، و لم يكن غرضنا من ذكرهما شرح أمرهما، و لكن توكيد ما انتهى بنا القول إليه من استحالة أن يكون الإعجاز في مجرّد السّهولة و سلامة الألفاظ مما يثقل على اللسان.
و جملة الأمر، أنّا ما رأينا في الدّنيا عاقلا اطّرح النّظم و المحاسن التي هو السبب فيها من «الاستعارة» و «الكناية» و «التمثيل»، و ضروب «المجاز» و «الإيجاز»، و صدّ بوجهه عن جميعها، و جعل الفضل كلّه و المزيّة أجمعها في سلامة الحروف مما يثقل. كيف؟ و هو يؤدي إلى السخف و الخروج من العقل كما بينا.
و اعلم أنه قد آن لنا نعود إلى ما هو الأمر الأعظم و الغرض الأهمّ، و الّذي كأنّه هو الطّلبة، و كل ما عداه ذرائع إليه. و هو المرام، و ما سواه أسباب للتسلّق عليه، و هو بيان العلل التي لها وجب أن يكون لنظم مزيّة على نظم، و أن يعظم أمر التفاضل فيه و يتناهى إلى الغايات البعيدة. و نحن نسأل اللّه تعالى العون على ذلك، و التوفيق له و الهداية إليه.
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
فصل [في أن النظم هو توخي المعاني]
ما أظنّ بك أيها القارئ لكتابنا، إن كنت وفّيته حقّه من النظر، و تدبّرته حقّ التدبّر، إلّا أنّك قد علمت علما أبى أن يكون للشكّ فيه نصيب، و للتوقّف نحوك مذهب، أن ليس «النّظم» شيئا إلّا توخّي معاني النحو و أحكامه و وجوهه و فروقه فيما بين معاني الكلم و أنك قد تبيّنت أنه إذا رفع معاني النحو و أحكامه مما بين الكلم حتّى لا تراد فيها في جملة و لا تفصيل، خرجت الكلم المنطوق ببعضها في إثر بعض في البيت من الشعر و الفصل من النثر، عن أن يكون لكونها في مواضعها التي وضعت فيها موجب و مقتض، و عن أن يتصوّر أن يقال في كلمة منها إنّها مرتبطة بصاحبة لها، و متعلقة بها، و كائنة بسبب منها و أنّ حسن تصوّرك لذلك، قد ثبت فيه قدمك، و ملأ من الثّقة نفسك، و باعدك من أن تحنّ إلى الذي كنت عليه، و أن يجرّك الإلف و الاعتياد إليه و أنّك جعلت ما قلناه نقشا في صدرك، و أثبتّه في سويداء قلبك، و صادقت بينه و بين نفسك. فإن كان الأمر كما ظننّاه، رجونا أن يصادف الذي نريد