دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٣٩
الغرض من كتب هذه الأبيات، الاستظهار، حتى إن حمل حامل نفسه على الغرر و التّقحّم على غير بصيرة، فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف، و في سلامتها مما يثقل على اللّسان علم بالنظر فيها فساد ظنّه و قبح غلطه، من حيث يرى عيانا أن ليس كلامهم كلام من خطر ذلك منه ببال، و لا صفاتهم صفات تصلح له على حال.
إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب «تميم» لحزون جبال الشعر، لأن تسلم ألفاظه من حروف تثقل على اللسان و لا كان تقويم «عديّ» لشعره و تشبيهه نظره فيه بنظر المثقّف في كعوب قناته لذلك و أنّه محال أن يكون له جعل «بشّار» نور العين قد غاض فصار إلى قلبه، و أن يكون اللّؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه و أن ليس هو صوب العقول الذي إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب و أن ليس هو الدّرّ و المرجان مؤلّفا بالشّذر في العقد و لا الذي له كان «البحتري» مقدّرا «تقدير داود في السّرد». كيف؟ و هذه كلّها عبارات عمّا يدرك بالعقل و يستنبط بالفكر، و ليس الفكر الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل، إنما الطريق إلى ذلك الحسّ.
و لو لا أنّ البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد، و أنّ الذين قد استهلكوا فيه قد صاروا من فرط شغفهم به يصغون إلى كل شيء يسمعونه، حتى لو أن إنسانا قال:
«باقلّى حارّ»، يريهم أنه يريد نصرة مذهبهم، لأقبلوا بأوجههم عليه و ألقوا أسماعهم إليه لكان اطّراحه و ترك الاشتغال به أصوب، لأنه قول لا يتصل منه جانب بالصواب البتّة. ذاك لأنه أول شيء يؤدّي إلى أن يكون القرآن معجزا، لا بما به كان قرآنا و كلام اللّه عز و جل، لأنه على كل حال إنّما كان قرآنا و كلام اللّه عز و جل بالنّظم الذي هو عليه. و معلوم أن ليس «النّظم» من مذاقة الحروف و سلامتها مما يثقل على اللسان في شيء.
ثم إنّه اتّفاق من العقلاء أنّ الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حدّ عجز عنه المخلوقون، هو الفصاحة و البلاغة. و ما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو بليغا، بأن
مستعمل الكلام» بالحاء المهملة و هكذا يجري في الكتب و هو عندي خطأ لا شك فيه و تصحيف مفسد للكلام و الشعر معا، و إنما هي «جزن» بالجيم المعجمة من «جاز المكان» إذا تعدّاه و تركه خلفه. يقول: إن معانيه تعدّين مبتذل اللفظ و الكلام و تركنه «و تجنّبن ظلمة التعقيد و ركبن اللفظ القريب» و هو اللفظ المختار الجيّد الذي لا ابتذال فيه و لا تعقيد. و هو في بعض النسخ «جزن» بالجيم و هو الصواب المحض، و أمّا «حزن» فهو تصحيف يتّقى، و كلام يرعب عن مثله. و في بعض نسخ الديوان: «كالعذارى غدون في الحلل البيض» و هي جيدة. انتهى كلام الشيخ شاكر- رحمه اللّه-.
[١] الصّوب: نزول المطر، من صاب المطر صوبا: انصبّ.
[٢] الباقلّى: الفول واحدته: باقلّاة و باقلاءة.