دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٥١
أنه لو لم يكن عجزهم عن معارضة القرآن و عن أن يأتوا بمثله، لأنه معجز في نفسه، لكن لأن أدخل عليهم العجز عنه، و صرفت هممهم و خواطرهم عن تأليف كلام مثله، و كان حالهم على الجملة حال من أعدم العلم بشيء قد كان يعلمه، و حيل بينه و بين أمر قد كان يتّسع له، لكان ينبغي أن لا يتعاظمهم، و لا يكون منهم ما يدلّ على إكبارهم أمره، و تعجّبهم منه، و على أنّه قد بهرهم، و عظم كل العظم عندهم، بل كان ينبغي أن يكون الإكبار منهم و التّعجّب للذي دخل من العجز عليهم، و رأوه من تغيّر حالهم، و من أن حيل بينهم و بين شيء قد كان عليهم سهلا، و أن سدّ دونه باب كان لهم مفتوحا، أ رأيت لو أن نبيّا قال لقومه: «إنّ آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه الساعة، و تمنعون كلّكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رءوسكم»، و كان الأمر كما قال، ممّ يكون تعجّب القوم، أ من وضعه يده على رأسه، أم من عجزهم أن يضعوا أيديهم على رءوسهم؟.
و نعود إلى النّسق فنقول: فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في شيء ممّا عدّدناه، لم يبق إلّا أن يكون في «النّظم»، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن يكون فيه إلا «النظم» و «الاستعارة»، و لا يمكن أن تجعل «الاستعارة» الأصل في الإعجاز و أن يقصر عليها، لأن ذلك يؤدّي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السّور الطوال مخصوصة، و إذا امتنع ذلك فيها، ثبت أن «النظم»، مكانه الذي ينبغي أن يكون فيه. و إذا ثبت أنه في «النظم»، و «التأليف»، و كنّا قد علمنا أن ليس «النّظم» شيئا غير توخّي معاني النحو و أحكامه فيما بين الكلم، و أنّا إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها، و جامعا يجمع شملها و يؤلفها، و يجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخي معاني النحو و أحكامه فيها، طلبنا ما كلّ محال دونه، فقد بان و ظهر أنّ المتعاطي القول في «النظم»، و الزاعم أنّه يحاول بيان المزيّة فيه، و هو لا يعرض فيما يعيده و يبديه للقوانين و الأصول التي قدّمنا ذكرها، و لا يسلك إليه المسالك التي نهجناها، في عمياء من أمره، و في غرور من نفسه، و في خداع من الأماني و الأضاليل. ذاك لأنه إذا كان لا يكون «النّظم» شيئا غير توخّي معاني النحو و أحكامه فيما بين الكلم، كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزيّة في «النظم»، ثم لا يطلبها في معاني النحو و أحكامه التي «النّظم» عبارة عن توخّيها فيما بين الكلم.
فإن قيل: قولك «إلا النظم»، يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة و ضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، و ذلك ما لا مساغ له.