دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٧٧
لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك و لطف عندك، أن قدّم فيه شيء، و حوّل اللّفظ عن مكان إلى مكان.
و اعلم أن تقديم الشيء على وجهين:
تقديم يقال إنه على نيّة التأخير، و ذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه، و في جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، و المفعول إذا قدّمته على الفاعل كقولك: «منطلق زيد» و «ضرب عمرا زيد»، معلوم أنّ «منطلق» و «عمرا» لم يخرجا بالتقديم عمّا كانا عليه، من كون هذا خبر مبتدأ و مرفوعا بذلك، و كون ذلك مفعولا و منصوبا من أجله، كما يكون إذا أخّرت.
و تقديم لا على نية التأخير، و لكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، و تجعل له بابا غير بابه، و إعرابا غير إعرابه، و ذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كلّ واحد منهما أن يكون مبتدأ و يكون الآخر خبرا له، فتقدّم تارة هذا على ذاك، و أخرى ذاك على هذا. و مثاله ما تصنعه بزيد و المنطلق، حيث تقول مرة: «زيد المنطلق»، و أخرى، «المنطلق زيد»، فأنت في هذا لم تقدم «المنطلق» على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، و كذلك لم تؤخر «زيدا» على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا.
و أظهر من هذا قولنا: «ضربت زيدا» و «زيد ضربته»، لم تقدم «زيدا» على أن يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، و لكن على أن ترفعه بالابتداء، و تشغل الفعل بضميره، و تجعله في موضع الخبر له؛ و إذ قد عرفت هذا التقسيم، فإني أتبعه بجملة من الشّرح.
و اعلم أنّا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل، غير العناية و الاهتمام. قال صاحب الكتاب، و هو يذكر الفاعل و المفعول: «كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهمّ لهم، و هم ببيانه أعنى، و إن كانا جميعا يهمّانهم و يعنيانهم»، و لم يذكر في ذلك مثالا.
و قال النحويون: إن معنى ذلك أن قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع
[١] أي من أجل الفاعل.
[٢] المقصود به (سيبويه) و كتابه «الكتاب».