دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٥٤
تخليط العامة في مثل: «هذا يسوى ألفا»، أو إلى أن يأتوا بالغريب الوحشيّ في كلام يعارضون به القرآن؟ كيف و أنت تقرأ السّورة من السّور الطّوال فلا تجد فيها من الغريب شيئا، و تتأمّل ما جمعه العلماء في غريب القرآن، فترى الغريب منه إلا في القليل، إنّما كان غريبا من أجل استعارة هي فيه، كمثل وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]، و مثل: خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: ٨٠]، و مثل: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]، دون أن تكون اللفظة غريبة في نفسها، إنما ترى ذلك في كلمات معدودة كمثل: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ص: ١٦]، و ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ [القمر: ١٣]، و جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم: ٢٤].
ثم إنّه لو كان أكثر ألفاظ القرآن غريبا، لكان محالا أن يدخل ذلك في الإعجاز، و أن يصحّ التّحدّي به. ذاك لأنه لا يخلو إذا وقع التحدّي به من أن يتحدّى من له علم بأمثاله من الغريب، أو من لا علم له بذلك.
فلو تحدّي به من يعلم أمثاله، لم يتعذّر عليه أن يعارضه بمثله. أ لا ترى أنه لا يتعذّر عليك إذا أنت عرفت ما جاء من الغريب في معنى «الطويل» أن تعارض من يقول: «الشّوقب»، بأن تقول أنت «الشّوذب»، و إذا قال «الأمقّ» أن تقول «الأشقّ»؟ و على هذا السبيل.
و لو تحدّي به من لا علم له بأمثال ما فيه من الغريب، كان ذلك بمنزلة أن يتحدّى العرب إلى أن يتكلّموا بلسان التّرك.
هذا، و كيف بأن يدخل الغريب في باب الفضيلة، و قد ثبت عنهم أنهم كانوا يرون الفضيلة في ترك استعماله و تجنّبه؟ أ فلا ترى إلى قول عمر رضي اللّه عنه في زهير: «إنه كان لا يعاظل بين القول، و لا يتتبّع حوشيّ الكلام»؟ فقرن تتبّع «الحوشيّ»، و هو الغريب من غير شبهة إلى «المعاظلة» التي هي التعقيد.
و قال الجاحظ في «كتاب البيان و التّبيين»: «و رأيت النّاس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر على لسان يزيد بن المهلّب إلى الحجّاج: «إنّا لقينا العدوّ فقتلنا طائفة و أسرنا طائفة، و لحقت طائفة بعراعر الأودية و أهضام الغيطان، و بتنا بعرعرة
[١] الرجل الطويل. القاموس مادة «الشقب» [١٣١] .
[٢] الطويل. القاموس مادة «شذب» [١٢٨] .
[٣] الطويل. القاموس «مادة مقق» [١٩٣] .
[٤] الطويل: القاموس مادة «شقق» [١١٥٩] .