دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣١
في المعتلّ، و فيما يلحق الحروف الثلاثة التي هي الواو و الياء و الألف من التغيير بالإبدال و الحذف و الإسكان، أو ككلامنا مثلا على التثنية و جمع السلامة، لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد، و لم تبع النصب فيهما الجرّ؟ و في «النون» أنّه عوض عن الحركة و التنوين في حال، و عن الحركة وحدها في حال.
و الكلام على ما ينصرف و ما لا ينصرف، و لم كان منع الصرف؟ و بيان العلّة فيه، و القول على الأسباب التّسعة و أنها كلّها ثوان لأصول، و أنه إذا حصل منها اثنان في اسم، أو تكرّر سبب، صار بذلك ثانيا من جهتين، و إذا صار كذلك أشبه الفعل، لأن الفعل ثان للاسم، و الاسم المقدّم و الأوّل، و كلّ ما جرى هذا المجرى؟.
قلنا: إنّا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا، نعذركم فيه و نسامحكم على علم منّا بأن قد أسأتم الاختيار، و منعتم أنفسكم ما فيه الحظّ لكم، و منعتموها الاطّلاع على مدارج الحكمة، و على العلوم الجمّة. فدعوا ذلك، و انظروا في الذي اعترفتم بصحّته و بالحاجة إليه، هل حصلتموه على وجهه؟ و هل أحطتم بحقائقه؟
و هل وفّيتم كل باب منه حقّه، و أحكمتموه إحكاما يؤمنكم الخطأ فيه إذا أنتم خضتم في التفسير، و تعاطيتم على التأويل، و وازنتم بين بعض الأقوال و بعض، و أردتم أن تعرفوا الصّحيح من السقيم، و عدتم في ذلك و بدأتم، و زدتم و نقصتم؟.
و هل رأيتم؛ إذ قد عرفتم صورة المبتدأ و الخبر، و أن إعرابهما الرفع، أن تتجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره، فتعلموا أنه يكون مفردا و جملة، و أن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميرا له، و إلى ما لا يحتمل الضمير، و أنّ الجملة على أربعة أضرب، و أنه لا بدّ لكل جملة وقعت خبرا لمبتدإ من أن يكون فيها ذكر يعود إلى المبتدأ، و أن هذا الذّكر ربما حذف لفظا و أريد معنى، و أنّ ذلك لا يكون حتى يكون في الحال دليل عليه، إلى سائر ما يتّصل بباب الابتداء من المسائل اللطيفة و الفوائد الجليلة التي لا بدّ منها؟.
و إذا نظرتم في الصّفة مثلا، فعرفتم أنها تتبع الموصوف، و أنّ مثالها قولك:
«جاءني رجل ظريف» و «مررت بزيد الظريف»، هل ظننتم أنّ وراء ذلك علما، و أنّ هاهنا صفة تخصّص، و صفة توضّح و تبيّن، و أن فائدة التّخصيص غير فائدة التوضيح، كما أنّ فائدة الشّياع غير فائدة الإبهام، و أن من الصفة صفة لا يكون فيها
[١] شاع الشيب شيعا و شياعا و شيعانا و شيوعا، أي ظهر و تفرق. و شاع الخبر: انتشر و ذاع و ظهر. اه اللسان/ شيع/ (٨/ ١٩١).