دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٢٤
لأنه ليس به ضرورة إلى ذلك، من حيث أن «أدافع» و «يدافع» واحد في الوزن، فاعرف هذا أيضا.
و جملة الأمر أنّ الواجب أن يكون اللّفظ على وجه يجعل الاختصاص فيه للفرزدق. و ذلك لا يكون إلّا بأن يقدم «الأحساب» على ضميره، و هو لو قال: «و إنما أدافع عن أحسابهم»، استكن ضميره في الفعل، فلم يتصوّر تقديم «الأحساب» عليه، و لم يقع «الأحساب» إلا مؤخرا عن ضمير الفرزدق، و إذا تأخّرت انصرف الاختصاص إليها لا محالة.
فإن قلت: إنه كان يمكنه أن يقول: «و إنما أدافع عن أحسابهم أنا»، فيقدم «الأحساب» على «أنا».
قيل: إنه إذا قال: «أدافع» كان الفاعل الضمير المستكن في الفعل، و كان «أنا» الظاهر تأكيدا له، أعني للمستكنّ، و الحكم يتعلّق بالمؤكّد دون التأكيد، لأن التأكيد كالتكرير، فهو يجيء من بعد نفوذ الحكم، و لا يكون تقديم الجارّ مع المجرور، الذي هو قوله «عن أحسابهم» على الضمير الذي هو تأكيد، تقديما له على الفاعل، لأن تقديم المفعول على الفاعل إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل، و لا يكون لك إذا قلت: «و إنما أدافع عن أحسابهم»، سبيل إلى أن تذكر المفعول قبل أن تذكر الفاعل، لأن ذكر الفاعل هاهنا هو ذكر الفعل، من حيث أن الفاعل مستكن في الفعل، فكيف يتصوّر تقديم شيء عليه، فاعرفه.
و اعلم أنّك إن عمدت إلى الفاعل و المفعول فأخّرتهما جميعا إلى ما بعد «إلّا»، فإن الاختصاص يقع حينئذ في الذي يلي «إلا» منهما. فإذا قلت: «ما ضرب إلّا عمرو زيدا»، كان الاختصاص في الفاعل، و كان المعنى أنك قلت: «إن الضارب عمرو لا غيره» و إن قلت: «ما ضرب إلّا زيدا عمرو»، كان الاختصاص في المفعول، و كان المعنى أنك قلت: «إن المضروب زيد لا من سواه».
و حكم المفعولين حكم الفاعل و المفعول فيما ذكرت لك. تقول: «لم يكس إلّا زيدا جبّة»، فيكون المعنى أنه خص «زيدا» من بين الناس بكسوة الجبة فإن قلت: «لم يكس إلّا جبة زيدا»، كان المعنى: أنه خصّ الجبة من أصناف الكسوة.
و كذلك الحكم حيث يكون بدل أحد المفعولين جارّ و مجرور، كقول السّيد الحميريّ: [من السريع]