دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٤٥
فإن قلت: إنما استحال في قولك: «جاءني زيد و عمرو يسرع أمامه» أن تردّ «يسرع» إلى «زيد» و تنزله منزلة قولك: «جاءني زيد يسرع»، من حيث كان في «يسرع» ضمير لعمرو، و تضمّنه ضمير عمرو يمنع أن يكون لزيد، و أن يقدّر حالا له، و ليس كذلك: «جاءني زيد و هو يسرع»، لأنّ السرعة هناك لزيد لا محالة، فكيف ساغ أن تقيس إحدى المسألتين على الأخرى؟.
قيل: ليس المانع أن يكون «يسرع» في قولك: «جاءني زيد و عمرو يسرع أمامه»؟ حالا من زيد أنّه فعل لعمرو، فإنك لو أخّرت «عمرا» فرفعته «بيسرع»، و أوليت «يسرع» زيدا فقلت: «جاءني زيد يسرع عمرو أمامه» و جدته قد صلح حالا لزيد، مع أنه فعل لعمرو، و إنما المانع ما عرفتك، من أنك تدع «عمرا» بمضيعة، و تجيء به مبتدأ، ثم لا تعطيه خبرا.
و مما يدلّ على فساد ذلك أنّه يؤدّي إلى أن يكون «يسرع» قد اجتمع في موضعه النّصب و الرفع، و ذلك أنّ جعله حالا من «زيد» يقتضي أن يكون في موضع نصب، و جعله خبرا عن «عمرو» المرفوع بالابتداء يقتضي أن يكون في موضع رفع.
و ذلك بيّن التّدافع. و لا يجب هذا التّدافع إذا أخرت «عمرا» فقلت: «جاءني زيد يسرع عمرو أمامه»، لأنك ترفعه حينئذ بيسرع، على أنه فاعل له، و إذا ارتفع به لم يوجب في موضعه إعرابا، فيبقى مفرّغا لأن يقدّر فيه النصب على أنه حال من «زيد» و جرى مجرى أن تقول: «جاءني زيد مسرعا عمرو أمامه».
فإن قلت: فقد ينبغي على هذا الأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ و خبر حالا إلا مع «الواو»، و قد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم.
فالجواب أنّ القياس و الأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ و خبر حالا إلا مع «الواو»، و أمّا الذي جاء من ذلك فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله و قياسه و الظاهر فيه، بضرب من التأويل و نوع من التشبيه، فقولهم: «كلّمته فوه إلى فيّ»، إنّما حسن بغير «واو» من أجل أن المعنى: كلمته مشافها له، و كذلك قولهم: «رجع عوده على بدئه»، إنما جاء الرفع فيه و الابتداء من غير «واو»، لأن المعنى: رجع ذاهبا في طريقه الذي جاء فيه، و أما قوله: «وجدته حاضراه الجود و الكرم» فلأنّ تقديم الخبر الذي هو «حاضراه»، يجعله كأنه قال: «وجدته حاضرا عنده الجود و الكرم».
و ليس الحمل على المعنى، و تنزيل الشيء منزلة غيره، بعزيز في كلامهم، و قد قالوا: «زيد اضربه»، فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع الخبر، لأن المعنى على