دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٧٨
إلّا و هناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، ما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأن قد جادت و سخت، و إذا لم تبك، مسيئة موصوفة بأن قد ضنّت و بخلت.
فإن قيل: إنه أراد أن يقول: «إنّ اليوم أتجرّع غصص الفراق، و أحمل نفسي على مرّه، و أحتمل ما يؤدّيني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني و يسكبها، لكي أتسبّب بذلك إلى وصل يدوم، و مسرة تتّصل، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلا، و لا تعرف عيني البكاء، و تصير في أن لا ترى باكية أبدا، كالجمود التي لا يكون لها دمع».
فإن ذلك لا يستقيم و لا يستتبّ، لأنه يوقعه في التناقض، و يجعله كأنه قال:
«أحتمل البكاء لهذا الفراق عاجلا، لأصير في الآجل بدوام الوصل و اتصال السرور في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي، لأنها خلقت جامدة لا ماء فيها»، و ذلك من التهافت و الاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيها.
و جملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرور و أمارة غبطة، و كناية عن أن الحال حال فرح.
فهذا مثال فيما هو بالضدّ مما شرطوا من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك، من معناه إلى قلبك لأنك ترى اللّفظ يصل إلى سمعك، و تحتاج إلى أن تخبّ و توضع في طلب المعنى.
و يجري لك هذا الشرح و التفسير في «النظم» كما جرى في «اللفظ»، لأنه إذا كان النظم سويّا، و التأليف مستقيما، كان وصول المعنى إلى قلبك، تلو وصول اللفظ إلى سمعك. و إذا كان على خلاف ما ينبغي، وصل اللّفظ إلى السمع، و بقيت في المعنى تطلبه و تتعب فيه، و إذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا: «إنّه يستهلك المعنى».
و اعلم أن لم تضق العبارة و لم يقصر اللفظ و لم ينغلق الكلام في هذا الباب، إلّا لأنه قد تناهى في الغموض و الخفاء إلى أقصى الغايات، و أنت لا ترى أغرب مذهبا، و أعجب طريقا، و أحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه. و ما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدّعى على كبار العلماء أنّهم لم يعلموه و لم يفطنوا له؟ فقد ترى أنّ البحتري قال حين سئل عن مسلم و أبي نواس: أيّهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقيل: فإن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ثعلب و ذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون علمه، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه و انتهى إلى ضروراته.
[١] فإن ذلك جواب للشرط في بداية الفقرة و هو «فإن قيل ...»